احتجاجات إدلب وسؤال: مَن البديل؟

احتجاجات إدلب وسؤال: مَن البديل؟

في بدايات الثورة حاجَجَنا كثيرٌ من مؤيدي النظام بسؤال: مَن البديل؟!
كنا نستغربه كمعارضين ونراه قمة في السذاجة، فأيّ شخص منا - معشر المعارضين - هو أكثر وطنية ونزاهة وخيرية من كل نظام الأسد!

خطؤنا وقتها افتراضنا البريء أننا معنيون وحدنا فقط بهذا الجواب، لكن تبين لنا أن المعنيّ بالدرجة الأولى في سياق الإجابة عن هذا السؤال أكثر منا هو الدول الكبرى والإقليمية، التي أعطت شرعية الاعتراف سابقاً لنظام أسد، واعتبرته لاحقاً جزءاً من مصالحها الإستراتيجية، وشبكة نفوذها، وزواله أو بقاؤه يؤثران بشدة فيهما، وقد أثبتت لنا 13 سنة من الثورة أن كل الدول لم تمدنا بما يُسقِط النظام، بل ابتزته بدعمنا مع حرصها على عدم سقوطه؛ لأنها لا تعتبرنا بديلاً عنه، ولم نكلف أنفسنا عناء سد ثغر أن نكون ذلك.

داخلياً لم نكن أيضاً بديلاً للغالبية الصامتة، صاحبة رؤوس الأموال، والكفاءات الإدارية والوظيفية اللازمة لسد فراغات تسيير شؤون بلد، والتي وجودها ضروري لسير مركب التغيير، وهي لا تقتنع بسهولة بالقفز مما يعرفونه ويتأقلمون معه ولو كان شراً عليهم، إلى المجهول الذين لا يعرفونه، ويحتاجون وقتاً للاعتياد عليه، ولو كان خيراً لهم، فضلاً أن لحظة الفراغ الانتقالية بين القفزتين وما قد يصحبها من فوضى تشكل هاجساً كبيراً لديهم...
والحديث ليس أبداً عن القيمة الأخلاقية للثورة، وصحة خيارها، بقدر ما هو توصيف واقعي لحالة عامة عند كل الشعوب، لكن بنفس الوقت لو اتفق الثوار على شخصية أو ثلّة جامعة لهم تقودهم، وامتلكوا رؤية سياسية واقعية لما بعد الأسد، كيف سيكون وضع الثورة اليوم؟

في مظاهرات إدلب سمعنا مَن خرجوا بمجملهم يريدون تغيير شخص الجولاني قائد تحرير الشام، الذي يملأ اليوم مع فصيله، ومَن يتحالف معهم من فصائل حيزاً كبيراً من قرار شمال غربي سوريا وإدارتها، وحين يسأل أحدهم المتظاهرين عن موضوع البديل، إما يأخذونه بسخرية وتهكُّم، أو يجيبون إجابات عائمة ضبابية، وفي الحالتين سواء اتفقنا أم اختلفنا في الطرح وآلياته وسياقاته، يبقى السؤال مهماً داخلياً، وخارجياً، ومكان إجابته فارغاً!
وبتحييد عقليات المزاودة، وشهوة التصنيف، وحب الإسقاط عند البعض، سنلقى هذا السؤال يحتاج فعلاً لإجابة دقيقة، تقينا خطر الفراغ الذي سيستغله كل متربص داخلي وخارجي، وكل طامع، وكل حاقد، ليحقق مصالحه الشخصية على حساب المصلحة العامة.

إذا كان البديل موجوداً لم لا يتم الدعوة له بشكل واضح وعلني، ليعرفه الناس، ويسمعوا منه؟
سواء كان البديل شخصاً واحداً، أم فريقاً من الأشخاص.

وإذا لمّا يكن موجوداً بعدُ، فمتى سيوجد؟ وكيف؟ وما هو خيارنا لمرحلة الفراغ والانتقال؟ وهل طرحه سيحقق معادلة صعبة هي:
إرضاء الساخطين، وعدم إثارة حنق القانعين، وكسب الساكتين، وتطوير علاقة سليمة مع الدول الداعمة للمعارضة السورية، مع إقلاق النظام وحلفائه بحيث لا تُستَغَل منهم فرصة التغيير بالهجوم على المحرر، مع التعهد بتحسين الوضع والمحافظة على ما تم بناؤه؟

بلد كسورية فيها هذا الكمّ من الفاعلين لا يُسمَح فيها بحالة الفراغ السياسي، أو السلطوي، ولو كان عكس ذلك لسقط النظام من زمن بعيد، ولما رأينا كل هذه الدول تأتي بقواتها العسكرية وتتخذ لها من أرض سورية قواعد، ولما رأينا اليوم أربع إدارات خدمية، وأربع منصات سياسية، وكل هذا الكمّ من التناقضات والتجاذبات...

ملخص صراعنا مع نظام أسد هو أن نكون بديلاً أصلح منه للشعب، يستطيع انتزاع شرعية وجوده من العالم المتوحش، وإذا كان البعض يرى الجولاني غير مناسب فهل يستطيع أطياف الرافضين، التوافق على شخص بعينه، أو مجموعة أشخاص بعينهم، بحيث يتم صنع البديل، علماً أن الناس انتظرت ذلك سنوات، فما رأت إلا الفوضى والصراع، واندماجات سريعة غوغائية عنونت ظلما بـ "واعتصموا بحبل الله" ثم ما لبث المعتصمون بحبل الله أن حلوا اعتصامهم فيه تباعاً، وتسللوا خارج الاندماج الشكلي تحت شعار تحقيق المصلحة العامة!
في مشهد كوميديا سوداء عبثيّ تكرر في الثورة آلاف المرات...
ولم يكن الأمر حكراً على العسكريين، بل امتد ليشمل تقريباً كل شيء في الثورة، من الفِرَق التطوعية، إلى التجمعات المشيخية، وصولاً لمطاعم ومحلات السندويش...

بعد كل هذه الحصيلة من التجارب الاندماجية والتجميعية الفاشلة بات تشكيك الناس بالطروحات الشعاراتية وإحجامهم عنها - حتى لو كانت جميلة وصحيحة - أمراً طبيعياً، خاصة أن كثيراً ممن ظهروا مؤخراً في المظاهرات كانوا رواد مرحلة (اندمجوا / انفصلوا) التي كانت أخبارها تتجدد كل يوم كأنها سعر الدولار على الليرة السورية، فما الذي يدفع الشارع اليوم للوثوق بهم، والاصطفاف خلفهم، علماً أنهم حتى بعد تجربتهم الألف لم يستطيعوا تقديم أي طرح واقعي قابل للتطبيق...

بنفس الوقت لو كان لديهم قابلية التطاوع التلقائي لقائد، والتنازُل والتسليم له، لماذا لم يلتقوا منذ سنوات، ويشكلوا جماعة، أو فصيلاً، أو حزباً، يثبتون للناس فيه أنهم استفادوا أخيراً من التجربة؟

المنظومات الحَوْكَميّة الناجحة لا تأتي بشكل عفوي ودفعة واحدة، بل هي حصيلة متراكمة من جهود أبناء المجتمع، وتتطور هذه المنظومات من ناحية أفكارها، وأدواتها بتطوُّر المجتمع نفسه، وتحتاج لذلك استقراراً طويل الأمد، وموارد كبيرة، ولمحاكمةِ منظومةٍ مَا يجب أولاً دراسة سياقها بشكل كامل، وقياس جدوى إصلاحها، ومرونة تقبُّلها لذلك، والأهم قابلية المجتمع نفسه وإمكاناته لمواءَمة قفزة التغيير، هذا ما يجعل سلة الحل تجمع حلولاً ثانية غير الحلول الصفرية التي قد تُذهِب الموجودَ، ولا تأتي بالمأمول...

 

معتز ناصر

المقالات المنشورة في "نداء بوست" تعبّر عن آراء كتابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع.


أحدث المواد