وائل حلاق والمرزوقي والدولة بين الاستحالة والإمكان

وائل حلاق والمرزوقي والدولة بين الاستحالة والإمكانسوشال ميديا

شكَّل كتاب البروفيسور الفلسطيني وائل حلاق "الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الغربي" صدمة كبيرة للقارئ العربي ومحل جدل طويل عن فكرة الكتاب الملتبسة والتي لم تتضح بالشكل الكافي حتى من العنوان الذي لم يحدد ماهية هذه الدولة المستحيلة وماهية الاستحالة نفسها وما علاقة كل ذلك بالحداثة ومأزقها الأخلاقي، وما لبث الجدال أن خمد حول أطروحة الكتاب حتى عاد من جديد بعد حلقتين من برنامج "المقابلة" أجراها الإعلامي علي الظفيري مع وائل حلاق على قناة "الجزيرة" القطرية.

فأحببت في هذا المقال أن أقدم محاولة فاحصة لفكرة حلاق ومدى اتساقها مع فكرة الدولة في الإسلام ومع الحداثة كمفهوم لكن قبل الشروع بمناقشة فكرة وائل حلاق لا بد من عرض الفكرة وتبسيطها كما تحدث عنها حلاق في الكتاب و"المقابلة".

مضمون فكرة الدولة المستحيلة كما يعرضها حلاق 

ينطلق حلاق في أطروحته من رؤية نقدية للحضارة الغربية والدولة الحديثة والفكر الغربي الحداثي على وجه الخصوص، ويعتقد أن الدولة الحديثة التي أنتجها الغرب هي دولة لا تقوم على أي أساس أخلاقي وهو هناك يقصد بالضبط الأساس "المعياري" الثابت للأخلاق، وهنا ملاحظ دقيق يجب التنبُّه له والتفريق بين انتفاء الأخلاق بالكلية وبين انتفاء المعيارية والإطار المرجعي الثابت للأخلاق وهنا لا تكاد تختلف رؤية حلاق في نظريته الأخلاقية عن الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن ونقده للدهرانيَّة وهو المصطلح الذي صكه عبد الرحمن للدلالة على الحداثة في صورة انفصال الدين عن الأخلاق ودعوته لإصلاح الحداثة في كتابه "روح الحداثة" كما تحدث حلاق في كتابه "إصلاح الحداثة".

يعتقد حلاق أن الحركات الإسلامية كـ"الإخوان المسلمون" وغيرها والتي تحاول الجمع بين القيم الإسلامية كإطار أخلاقي وبين الدولة الحديثة كواقع ضاغط في صورة هجينة ومركبة هي "الدولة المدنية بمرجعية إسلامية" يتكلفون ضرباً من المستحيل بسبب التناقض الجوهري بين الإسلام ومنظومته الأخلاقية العميقة التي كانت سائدة طول التاريخ السياسي للمسلمين في مركزية الشريعة الإسلامية في مفهومها العميق والشامل وبين الدولة الحديثة التي لا تحمل أي أساس أخلاقي إلا المنفعة المادية المحضة والأخلاق البراغماتية الرأسمالية بوجهها الليبرالي . لقد طار التيار السلفي الجهادي فرحاً بأطروحة حلاق وعقد لها المنظِّر الجهادي الأردني أبو قتادة الفلسطيني ندوة امتدح فيها كلام حلاق واعتبره أكثر إنصافاً للإسلام من تنظير راشد الغنوشي وجعله حجة في دعم وجهة نظر تنظيم "القاعدة" في نفي إمكانية قيام الدولة الإسلامية في ظل النظام العالمي الحداثي ولا سبيل أمام القاعدة إلا في متابعة حرب الإنهاك حتى يسقط النظام العالمي برمته حينها تتحقق الشروط الموضوعية لقيام دولة الإسلام. 

نقد البروفيسور أبي يعرب المرزوقي لفكرة حلاق   

هنا يمكن أن نشير للخيط الدقيق الذي نبه له الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي في نقده لرؤية حلاق في استحالة الدولة الإسلامية ذات الجوهر الأخلاقي في تحولها لدولة حديثة في مضمونها المادي.

حيث وجّه المرزوقي ضربة مزدوجة لأطروحة حلاق الأولى تتعلق بفهم حلاق للدولة الإسلامية والثانية في مفهوم حلاق للحداثة الغربية. الانتقاد الأول في فكرة الدولة الإسلامية: حيث نبَّه المرزوقي لهشاشة فكرة حلاق عندما لم يكتفِ بنفي إمكانية أن يقدم الإسلام نموذجاً للدولة الحديثة وإنما نفى مفهوم الدولة برُمَّته من الإسلام على اعتبار أن لفظة "دولة" هي لفظة دخيلة على مفردات الشريعة التي تتحدث عن الخلافة والإمامة بالمفهوم الأخلاقي معتبراً أن عدم النص على الاسم لا ينفي وجود المسمى فالدولة تتكون من جوهر وعَرَض ولا يمكن نفي جوهرها بسبب ما يعتري العَرَض من تبدُّل وتطوُّر يقتضه الزمان والدولة في جوهرها تتكون من ثلاثة أركان هي الأرض والشعب وجهاز الحكم، وهذا لم يكن منفياً منذ قيام دولة المدينة حتى اليوم، أما باقي العروض المتبدلة مثل الفصل بين السلطات وإنتاج آليات للحكم والتداول عليه فإنها لا تؤثر على الجوهر.

والانتقاد الثاني للمرزوقي هو في وصف حلاق للدولة الحداثية بأنها دولة لا تقوم على الأخلاق وهنا يقدم المرزوقي فهمه للحداثة الذي يشكل في جوهره عَيْن ما جاء به الإسلام؛ فالحداثة عنده هي اللحظة الزمنية للإصلاح الديني بنفي الواسطة بين المؤمنين والكنيسة الذي مثّلته الحركة اللوثرية وللإصلاح السياسي بنفي الحق الإلهي في الحكم وإعادة الأمر للشعب وهو جوهر ما جاء به الإسلام عندما رد قضايا الحكم لشورى الجماعة والأمة ونفى الواسطة بين العبد والرب يعني إسقاط وصيَّة الكنيسة عن الأرواح وإسقاط وصيَّة الحُكْم على الأبدان.

ويعتقد المرزوقي أن مشكلة التيار المتدين التقليدي والتيار الحداثي العلماني في استصحاب صورة مشوَّهة عن الحداثة وتعريف الحداثة بعروضها لا بجوهرها الذي شرحته من وجهة نظر المرزوقي وما يتحدث عنه حلاق وغيره هو النسخة الأيديولوجية للحداثة عندما حولها الغرب إلى مجرد أيديولوجيا لخدمة طموحه الاستعماري العربي، وليس حقيقة الحداثة كما هي في أصل تعبيرها عن لحظة الافتكاك من الطغيان الديني والسياسي. 

كما علق المرزوقي على نفي حلاق لأي أساس أخلاقي للدولة الحديثة معتبراً ذلك نوعاً من المستحيل حيث لا يمكن لأي منظومة حكم وإدارة اجتماعية أن تقوم إلا على قدر من الأخلاق. لقد ألحق المرزوقي دعوة حلاق بدعوة علي عبد الرازق مع فرق أن علي عبد الرازق ينفي الدولة الإسلامية في الماضي وحلاق ينفيها في المستقبل.

  الخُلاصة

أعتقد بأن مشكلة حلاق أنه لم يتوقف عند نفي إمكانية الدولة الإسلامية الحديثة في رده على أطروحات "الإخوان المسلمون" الذين أرادوا الهروب من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية بمرجعية إسلامية وإنما ذهب لنفي فكرة الدولة كمؤسسات وفصل سلطات ودساتير من الحضارة الإسلامية برُمَّتها إضافة لتعلقه بالنموذج التاريخي الذي قدمه الإسلام عن الدولة الإسلامية خصوصاً في الحالة الراشدية والأموية والعباسية وهو النموذج الحصري للقياس عليه برأي حلاق وكل مقيس جديد لا بد أن يتطابق معه وإلا فهو يتنافى مع الرؤية الإسلامية للحكم فحلاق يعتبر أن في الإسلام منظومة حكم أخلاقي تقوم على الشريعة كمحدد مركزي وليس هناك دولة بمعنى المؤسسات ولعل سبب هذه المجازفة من حلاق هو عدم التمييز الواضح بين القيم السياسية العميقة التي جاء بها الإسلام وهي مجملة وقليلة كأداء الأمانة والشورى والحرية وبين الإجراءات التنفيذية والمؤسسات التي يمكن أن يبدعها المسلمون أو يقتبسونها من الحضارات الأخرى لمأسسة هذه القيم السياسية وتطبيقها كما استورد عمر رضي الله عنه النظام الإداري من الحضارة الفارسية.

وهنا يمكن أن نخلص إلى نتيجة تفرضها مرونة الإسلام في استيعاب المستجدات إلى جانب الإجراءات السياسية أنه من الممكن جداً الجمع بين شكل الدولة الحديثة في المؤسسات والإجراءات وبين جوهر الحكم الإسلامي في القيم والأخلاق السياسية المنافية لرؤية الحداثة والحضارة الغربية المادية وبذلك نخرج من مأزق الاستحالة الذي قذف به حلاق فرضيته المدفوعة برفضه للحداثة الغربية وتَطَيُّره شراً منها وأراد من الإسلام أن يكون سيفاً مشرعاً بيده ليهدم كل ما فيها من حَسَن وقبيح فحمَّل الإسلام ما لا يحتمل من وضعه في القالب التاريخي الجامد واتهم الحداثة بالشر المطلق مثبتاً استحالة اللقاء بينهما.

وبرأيي ليست مشكلة المسلمين اليوم في عدم قدرتهم على إبداع النموذج الذي يستصحب أصالة الشريعة مع منجزات الحداثة في العمران والتنظيم وإنما في هيمنة النموذج الغربي الليبرالي المحمَّل بعقدة المركزية الغربية تجاه المسلمين والعالم وهو ما يدفع بالكثير لإعادة النظر في منتجات الحداثة الغربية المتوحشة والبحث عن البديل الأخلاقي لإنقاذ العالم من دَرْك الدمار والسقوط الإنساني الحاصل.


أحدث المواد