طه عودة أوغلو

طه عودة أوغلو5 مقال

باحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية

هل ستتجه تركيا إلى تطبيع العلاقات مع النظام السوري؟

هل ستتجه تركيا إلى تطبيع العلاقات مع النظام السوري؟

على وقع المرحلة الاستثنائية التي تعيشها المنطقة من تحولات هيكلية واستراتيجية ، اتجهت السياسة الخارجية التركية منذ مطلع العام الجاري نحو تبدل واضح في علاقاتها مع دول الجوار الإقليمي، حيث بدأت "أنقرة" تميل نحو تغيير المسار السياسي عبر إعادة الانفتاح وفتح قنوات بينها وبين الدول التي كانت قد قاطعتها على خلفية "الربيع العربي" ومنها مصر- واليونان – والسعودية- بعض دول الاتحاد الأوروبي- الإمارات ، فيما بدا أنه سعي للعودة مجددا إلى سياسة "تصفير المشاكل"، وإسراع الخطى لإقامة تعاون إقليمي يتيح الفرصة أمام تفعيل الطاقات الكامنة الكبيرة التي تمتلكها تركيا في كافة المجالات.

وعلى ما يبدو أن التطورات العالمية، بدأت تدفع بتركيا أيضا باتجاه تشكيل موقف سياسي جديد من الأزمة السورية، فبدا من اللافت أن موقف"أنقرة" المعلن من النظام السوري أصبح أكثر مرونة مؤخرا بعد الدعوات والضغوط الداخلية التي تتعرض لها الحكومة من قبل أحزاب المعارضة وعلى رأسهم كبير أحزاب المعارضة التركية حزب "الشعب الجمهوري" العلماني، وأيضا حزب "الوطن" اليساري بضرورة إعادة العلاقات مع النظام.

من المعروف أن تركيا انخرطت في تفاصيل الأزمة السورية ومسبباتها بعنوان عريض "الوقوف إلى جانب مطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية" وذلك بعد استنفاد كافة الطرق ووسائل الإقناع مع النظام السوري، لكن بالنظر إلى التجاذبات السياسية الحاصلة على المستوى الداخلي والخارجي، يبدو أن الاستراتيجية التركية الجديدة ستكون أمام سيناريو يحتمل التقارب مع النظام لكن بالطرق التي تحدد مصالح تركيا برباطة جأش وحكمة مع اتخاذ الخطوات التي تفرضها هذه المصالح بكل شجاعة لا سيما أن حكومة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" تملك ميزة هامة تتمثل بتوقع منحى سير التطورات الإقليمية والعالمية بشكل صحيح، واتخاذ الخطوات التي تستوجبها المصالح التركية بدقة عالية وفي الوقت المناسب، وهذا ما يمكن إسقاطه أيضا على الوضع السوري.

قبل فترة قصيرة، ترددت شائعات حول محادثات جرت من وراء الكواليس بين تركيا والنظام السوري عبر قنوات دبلوماسية تعتبر روسيا وسيطا فيها، وصاحبت هذه الشائعات تقارير تفيد بأن مقربين من الرئيس "أردوغان" التقوا مع مسؤولين في النظام وتحدثوا حول الحاجة إلى التفاوض مباشرة مع "بشار الأسد" لتخفيف مشاكل تركيا في سوريا.

هذه الشائعات كان لها خلفية وأرضية تم بناؤها على حديث "مصطفى شان"، نائب زعيم حزب"العدالة والتنمية" الحاكم لإحدى القنوات الخاصة قبل أيام، والذي ورد فيه عبارة "الشعب التركي والسوري إخوة عدا عن الجيرة بين الدولتين"، وتأكيده بأنه "من الممكن حدوث مشاكل بين الإخوة لكن كلا الدولتين الشقيقتين ستعودان مجددا كعائلة واحدة وبيت واحد ويد واحدة".

طبعا هذا التصريح أثار جدلا واسعا في تركيا وفتح باب الشائعات ومن ورائها التكهنات بإمكانية إعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري على اعتبار أن "أنقرة" كانت دائما ما تؤكد على وجوب رحيل "بشار الأسد"، وترفض بالمطلق أي حوار معه لكن استخدام مسؤول تركي كبير من الحزب الحاكم لعبارات فضفاضة، كان أمرا لا بد من الوقوف عنده للاستفسار عن كيفية التحسن المنشود في العلاقات مع النظام السوري، ومتى سيكون؟

وعليه؛ يرى بعض الخبراء أن تصريحات "مصطفى شان" تشير إلى استعداد أنقرة لفتح باب التفاوض مع النظام السوري بعدما استأنفت في الأسابيع الماضية المفاوضات الدبلوماسية مع مصر عقب توتر العلاقات بينهما منذ عام 2013. والواقع على الأرض يشير إلى أن الخطوات التركية الأخيرة في سبيل تطبيع العلاقات مع خصوم الأمس قد تكون محاولات من أنقرة لخلق تقارب إقليمي والعودة إلى مبدأ "لا مشاكل مع الجيران" في سياستها الخارجية لحل الكثير من القضايا العالقة، انطلاقا من دبلوماسية واقعية وبراغماتية في ضوء الشروط السائدة حاليا.

كما، يمكن القول أيضا إن روسيا وإيران تلعبان دورا مهما في إقناع أنقرة بتبني نهجا أكثر تصالحية في سياستها الخارجية تجاه نظام الأسد وقد عملا منذ بداية الأزمة السورية على الدفع باتجاه إجراء اتصالات تركية مباشرة معه على المستوى الدبلوماسي والاستخباراتي.

وأنقرة بدورها لا تنفي وجود علاقات وتواصل مع النظام السوري، رغم تأكيدها أن ذلك يحصل على مستوى متدن والحديث في الوقت الراهن عن انفراجة محتملة بين الطرفين قد لا يكون واردا، لكي تحافظ أنقرة على مكتسباتها ومصالحها في الشمال السوري في ظل انخفاض الخطر الكردي بشرق الفرات على الأمن التركي ونجاحها في كفاحها ضد التنظيمات الإرهابية هناك بعملياتها العسكرية "درع الفرات"، و"غصن الزيتون"، و"نبع السلام"، و"درع الربيع".

وبحسب الخبراء، إذا اختارت السعودية والإمارات ومصر الانفتاح على دمشق فإن "أردوغان" - وهو القارئ الجيد للتطورات الدبلوماسية الإقليمية والدولية- لن يتجاهل بالتأكيد هذا الحراك الذي قد يؤثر على النفوذ التركي في سوريا والمنطقة عموما، بالتالي لا بد وبأنه سيحلل المرحلة بهدوء ويتبع سياسة تمكنّه من تحويل الأمور لصالح بلاده من خلال انتظار الظروف المواتية لإقامة التعاون مع جميع الدول بمن فيهم سوريا، في الإطار الذي تمليه عليه مراعاة مصلحة بلاده لا سيما أن مبادئ السياسة الدولية لا تٌبنى على العواطف بل على المصالح أولا وأخيرا، ولعل تقارب تركيا مع مصر بعد عداوة سنين أكبر دليل على ذلك.