هل يمهد اتصال "أردوغان" بـ"هرتسوغ" لحقبة جديدة من العلاقات التركية الإسرائيلية؟

هل يمهد اتصال "أردوغان" بـ"هرتسوغ" لحقبة جديدة من العلاقات التركية الإسرائيلية؟ العلمان التركي والإسرائيلي (الأناضول)

نداء بوست - عائشة صبري

يرى باحثون سياسيون أنَّ اتصال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بنظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، في 12 تموز/ يوليو الجاري، لتهنّئته على تولّيه منصبه الجديد، يصبُّ في المصلحة المشتركة للجانبين، بعدما سادت أجواء التوتر على العلاقة بينهما خلال السنوات الأخيرة الماضية.

"أردوغان" أكد أنَّ العلاقات التركية - الإسرائيلية لها "أهمية كبيرة" لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، وأنَّ أيّ خطوات إيجابية سيتم اتخاذها لحلّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ستسهم أيضاً في سير هذه العلاقات بـ"منحى إيجابي".

الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية، "طه عودة أوغلو"، يرى أنَّه من اللافت في التصريحات التركية خلال الفترة الأخيرة هو "توظيف العامل الفلسطيني لخدمة مصالحها وتطبيع علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي"، بعدما سادت أجواء التوتر على العلاقة بين تركيا وإسرائيل خلال السنوات الماضية.

وأضاف "أوغلو" في حديث لموقع "نداء بوست" أنَّ قوَّة علاقة الجانبين سابقاً في المجالات التجارية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، لم تثمر في إنهاء هذا التوتر، ولكنَّها تسارعت في الأشهر الأخيرة بعد تسريبات حول مباحثات تركية إسرائيلية، والتي ما زالت مستمرة سرّاً بينهما، وينتابها بعض الغموض، علماً أنَّها تهدف للوصول إلى اتفاق يُنهي التوتر.

في حين لم تخرج تصريحات رسمية من مسؤولين أتراك أو إسرائيليين تؤكد إنجاز الاتفاق، وإنَّما بقيت "الصورة ضبابية"، حسب وصف الباحث التركي، الذي أشار إلى أنَّ هناك ترتيبات تسير بسرعة فائقة لتطبيع العلاقات التركية - الإسرائيلية، الأمر الذي دفع الكثير من المهتمين بهذا الشأن إلى طرح علامات استفهام حول التغيير الذي طرأ على علاقات أنقرة وتل أبيب.

ويمكن القول إنَّ "عملية ترقيع العلاقة التركية الإسرائيلية لا تزال مستمرة، وعلى الرغم من أنَّ هذه المرَّة تجلب التطورات الإقليمية مصالح أقرب للبلدين معاً، فإنَّ الأمر سيؤدي في نهاية المطاف إلى مصالحة رسمية على ما يبدو، فعلى المدى القصير سيستمر التعاون بين إسرائيل وتركيا وراء الأبواب المغلقة".

أسباب الاتصال المعلن

من الواضح أنَّ التطورات الإقليمية في المنطقة مثل أزمة شرق المتوسط وأحداث قره باغ، قرَّبت كثيراً بين تركيا وإسرائيل، وعلى ضوء ما سبق من مؤشرات فلم يبقَ أمام الجانبين سوى الإعلان رسمياً عن عودة الدفء إلى العلاقات بينهما.

وباعتقاد "عودة أوغلو" فإنَّ هناك أسباب عديدة دفعت البلدين إلى العمل على طي صفحة الماضي والعمل سوياً، ولكن بحذر شديد، وأهمها رغبتهما في الحفاظ على علاقات جيَّدة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، إذ مازالت إسرائيل تمتلك العديد من المقومات التي تمنحها بعض الأهمية بالنسبة لتركيا في هذا المجال، والنظر إلى نفوذها داخل الإدارة الأمريكية ووجود أصدقاء كثيرين لها داخل الاتحاد الأوروبي.

وبحسب بيان صادر عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، فإنَّ "أردوغان" شدّد "على مواصلة التواصل والحوار" مع إسرائيل رغم كلّ الخلافات، مشيراً إلى سعي المجتمع الدولي لإيجاد تسوية شاملة للنزاع "على أساس حل الدولتين في إطار قرارات الأمم المتحدة".

وذكر أنَّ هناك إمكانات كبيرة للتعاون بين أنقرة وتل أبيب في مجالات تشمل الطاقة والسياحة والتكنولوجيا، منوهاً إلى أنَّ التبادل التجاري بين الجانبين زاد رغم جائحة كورونا، وأنَّ الاستفادة من الإمكانات المتاحة يمثل مصلحة مشتركة.

التقارب بين الجانبين

الباحث في الشأن التركي، معين نعيم، أشار إلى أنَّ الاتصال جاء في مرحلة تحتاج فيها تركيا إلى تطوير علاقتها، وحلّ مشاكلها ليس فقط مع إسرائيل، بل مع كلّ دولة أو منظومة في المنطقة، تريد أن تدوّر معها زاويا المشاكل.

وقال في تصريحه لـ"نداء بوست": إنَّ "تركيا بحاجة ماسة لحلِّ مشكلة غاز المتوسط، لأنَّها تعتبره نقطة تحوُّل اقتصادية مهمة لها، ولا يرى الأتراك حلاً لهذا إلا بالتفاهم مع تلك الدول ومنها إسرائيل".

وأضاف "نعيم" أنَّ "الاتصال جاء لتقريب العلاقة مع الولايات المتحدة التي تعتبر أنَّ أيّ تصحيح لعلاقة معها، يتطلب تصحيحاً مع إسرائيل، وهذا ما تعلمه تركيا، وتتبعه منذ فترة طويلة".

وحول الخطوات اللاحقة التي من الممكن أن تكون بين الجانبين، أوضح "نعيم" أنَّ تركيا تتعامل مع إسرائيل منذ فترة طويلة بعلاقة "ليست باتجاه واحد"، فكلّ مرّة يحدث فيها تقارب بين الجانبين نجد تركيا "مترددة"، وعند أول فرصة للتراجع أو الانسحاب، تتراجع عن هذا التقدم في التقارب، لا سيّما علاقة تركيا بالشعب الفلسطيني.

وذكر الباحث أنَّ الاتصال جاء بعد زيارة محمود عباس لأنقرة، ويبدو أنَّ الأتراك استفادوا من زيارته، إذ وردت تصريحات على لسان مختصين بالشأن الفلسطيني تفيد بأنَّ "التقارب مع إسرائيل قد يخدم القضية الفلسطينية". أمَّا عن تطور العلاقة، فأضاف أنَّه "أمر وارد لكن احتماله ضعيف".

إسرائيل تعلم أنَّ تركيا "دولة محورية ومهمة في المنطقة، وكثير من الملفات العالقة في هذه المنطقة تركيا طرف فيها"، وبحسب "نعيم" فإنَّ أيَّ حلّ وتقارب لإسرائيل مع تركيا "سيساهم في حلِّ الكثير من المشاكل بالنسبة لتل أبيب".

وأردف أنَّ التقارب التركي - الأذربيجاني "مهم جداً بالنسبة لإسرائيل"، لأنَّها تعتبر أذربيجان مدخلاً لها لآسيا الوسطى، وسبق أن اعتبرت تل أبيب لفترة معينة أنَّ التأثير التركي على أذربيجان "تهديد لها"، كذلك يعدّ التقارب التركي - الإسرائيلي، فرصةً لتطوير العلاقات في هذا الملف، وفي صعيد القضية الفلسطينية خاصة أنَّ تركيا تعد إيواءً لقيادات حماس.

يذكر أنَّ العلاقات بين إسرائيل وتركيا توتّرت منذ أن حاولت سفن تابعة لمنظمة غير حكومية تركية عام 2010 كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وفي 22 آذار/ مارس 2013 قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتذاراً رسمياً لنظيره التركي أردوغان خلال مكالمة هاتفية على الهجوم، وتعهد بدفع التعويضات لأسر الضحايا، مقابل الاتفاق على عدم ملاحقة أي جهة قد تكون مسؤولة عن الحادث قانونياً، واتفق الجانبان على تبادل السفراء وتطبيع العلاقات.