مستقبل اليَسار الإسلامي بعد رحيل حسن حنفي

مستقبل اليَسار الإسلامي بعد رحيل حسن حنفيسوشال ميديا

رحل قبل أيام الفيلسوف المصري حسن حنفي الذي يُعَدّ مؤسِّساً وزعيماً لتيار اليسار الإسلامي الذي نَظَّرَ له في جُلّ كتبه التي نقد فيها الحضارة الغربية ودعا فيها إلى قراءة التراث من جديد واستحضار المدرسة الاعتزالية.

هذا التيار كغيره من تيارات التنوير العربي التي ارتبطت ولادتها بصدمة الحضارة الغربية مع الموجة الاستعمارية بداية القرن العشرين وينتمي لثقافة الهزيمة العربية بعد نكسة حزيران/ يونيو 67 والتي دفعت عدداً من المفكرين العلمانيين العرب لإعادة الاعتبار للتراث لكن ليس للعودة من خلاله للإسلام، وإنما لتوظيفه في معركة التنوير والتحديث مع التيار المحافظ. 

فبعد هزيمة حزيران 67 غالب المثقفين العرب كتبوا عن الهزيمة والنكسة وأعادوها لأسباب تتعلق بالتراث والثقافة وحاولوا إبداع الحلول الثقافية من منبع التراث بدلاً من التغريب الصريح. 

فكتب الجابري عن "بنية العقل العربي ونقد العقل العربي" وكتب محمد عمارة "التراث في ضوء العقل" وكتب الطيب التيزيني "من التراث إلى الثورة" وكتب مالك بن نبي عن "مشكلة الثقافة" وكتب حسن حنفي "التراث والتجديد".

وكل هذه الكتابات كانت عبارة عن تتويج للهزيمة العسكرية بهزيمة ثقافية إضافية تُكرِّسها بدلاً من أن تحلها، فهي تحفر بذلك حول الهوامش والذيول ولا تأتي على أُس المشكلة السياسية في سلطوية القهر الذي عانينا منه كشعب عربي.

تحاول كل هذه التيارات توظيف التراث في خدمة عملية التحديث والعَلْمَنة كما بيَّن ذلك جورج طرابيشي في كتابه "مذبحة التراث" وتحدث عن ثلاثة تيارات أساسية هي التيار القومي العربي الذي يبحث في التراث عن أجزاء يشطرها ليشيد منها بناءه الأيديولوجي القومي بشقَّيْهِ القومي العلماني والقومي الإسلامي والتيار اليساري في نسخته اللِّينِينِيَّة حيث بدأ ينظر إلى التراث كجزر معزولة وقِطَع متناثرة يمكن أن يشيد منها يَساريَّة عربية والتيار العلمي المعرفي بشقيه البراغماتي والإبستمولوجي.

هذه الرؤية الانتقائية والتشطير والتبضيع في جسد التراث العربي الإسلامي شكلت لدى البعض حالة من التقية الثقافية أو الباطنية الثقافية التي تُظهر مذهب الأصالة في خطابها ووسائلها وتضمر مذهب الحداثة في نموذجه الغربي في وعيها وغاياتها لكنها تحاول أن تسقط عن نفسها تهمة التبعية الثقافية للغرب المتمركز حول ذاته والذي حول فلسفة الحداثة إلى مجرد أيديولوجيا عندما وظفها للغايات الاستعمارية لذلك ذهب الكثير من المفكرين والحداثيين العرب للجفول من استعلاء الثقافة الغربية الغرب ومركزيته إلى بناء مركزية تعالج جرح الذات وتعوض عقدة التَّبَعِيَّة بادّعاء السَّابِقِيَّة، وتصبح بذلك فكرة التحديث والعَلْمَنة فكرة تراثية صميمة لا حاجة معها للاستيراد الثقافي من الغرب المتعالي، وهذا ما يلخص فكرة اليسار الإسلامي.

وتوجَّه حسن حنفي لنقد الثقافة الغربية في كتابه التراث الغربي وتحدث عن أربع أزمات رئيسية في الفكر الغربي:  

منها أن معظم ما قاله الغرب عن غيرهم بحاجة لإعادة النظر فيه، فالاستشراق هو موضوع دراسة وليس دراسة موضوعية، تأثرت بالنزعة الاستعمارية واعتبر العقلية الأوروبية محكومة لقانون الفعل ورد الفعل، وهذا ما أفقدها التوازن والتكامل خصوصاً من حيث الموقف بين المادة والروح معتبراً أن العقلية الأوروبية بعد تنحية الدين اتسمت بالقلق المستمر ما يدفعها للبحث عن نقطة ثابتة فكلما وقفت على أرض ثابتة كشف الواقعُ زيفَها وهشاشتَها، وانتهت إلى أن تكون عقلية ثنائية  تفصل باستمرار بين الجوهر والعَرض والقَبْلي والبَعْدي، الفرد المجتمع، الفكر والواقع، النفس والبدن.

واتجه حنفي لوضع معالم للتيار اليساري الإسلامي تعيد النظر في التاريخ الإسلامي وتعيد الاعتبار للمدرسة الاعتزالية واعتبار الغرب جزءاً من الذات وليس هناك حدود فكرية للثقافة والحضارة، ورفض اختزال العلاقة معه بالصراع، وتبنى قِيَم التعددية الثقافية والسياسية والديمقراطية واعتبار الشعب مصدر الشرعية السياسية مع تبني بعض المقولات اليسارية، ومن ذلك مقولة إن الإنسان لا بد أن يكون حراً اقتصادياً حتى يكون حراً سياسياً. 

فلم يكن حسن حنفي ضد العَلْمَنة والتحديث وَفْق النموذج الغربي إذاً لكنه كان يحمل دعوة أخطر من دعاة العلمانية الواضحة في فصل الدين عن الدولة وهو الاتجاه إلى عَلْمَنة الإسلام نفسه ليخرج بعلمانية منبثقة من صميم التراث من خلال توظيف علم المقاصد والتترُّس بالمدرسة الاعتزالية محاولاً إحياءها واستنطاقها بما يريد منها أن تنطق به ليضعها كتيار عقلي مظلوم في التراث الإسلامي أمام المدرسة النصية البيانية والاستقاء منها بشكل انتقائي كمنبع عقلاني والاتِّكاء عليها لتمرير مشروع التحديث.

لم يتوقف النقاد عن انتقاد هذا التيار فقد كتب مصطفى محمود في كتابه أكذوبة "اليسار العربي": إن القول بالحتمية التاريخية هو مجرد وَهْم فالحلول أمامنا كثيرة ويمكننا الانتقاء منها بحسب ما نختار وما نستطيع.

 وكتب أحمد داود أوغلو في كتابه "الفلسفة السياسية" ينفي هذه النسبة بشكل قاطع بين الاعتزال والعلمانية مؤكداً أن الاعتزال لم يدحض أبداً تدخُّل التشريع في الحياة، ولم يقبل أبداً بمفهوم أرسطو عن الإله الذي يخلق ولا يحكم.  لقد كان علي عزت بيغوفيتش أبلغ تعبيراً عن المنحى التوحيدي الإسلامي فبدلاً من وصف الإسلام أنه "دين علماني " -كما فعل حسن حنفي- وصف بيغوفيتش الإسلام بأنه "دين دنيوي" يتناول الحياة الدنيا ولا يقتصر على الجانب الأخروي".

وفي ذلك أصاب بيغوفيتش في تعبيره عن المعنى التركيبي في الإسلام بين الروحي والمادي، والديني والمدني، والشعائري والسياسي، والفردي والجمعي. 

لكن يبقى السؤال ما هو مستقبل اليسار الإسلامي بعد رحيل حسن حنفي؟ هل سيبقى يعمل في حقل الثقافة ويُثبت حضوره بين المفكرين والفلاسفة؟ أم سيدخل محنة التوظيف السياسي ضِمن المؤسسات التي غايتها فقط مواجهة الإسلام السياسي كما هو حال مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" ويتنكَّب عن الثورة السياسية ضدّ الاستبداد وينشغل بالثورة الثقافية ضد التراث كما أسس حنفي لذلك في كتاب "مِن العقيدة إلى الثورة" .


أحدث المواد