جيمس جيفري

مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز واتسون

مبادرة الملك عبد الله بشأن سورية يمكن أن تعزز مصداقية واشنطن الضعيفة

مبادرة الملك عبد الله بشأن سورية يمكن أن تعزز مصداقية واشنطن الضعيفة مصدر الصورة: سوشال ميديا

تواجه إدارة بايدن أزمة مصداقية عامّة فيما يتعلق بالتزامها الأوسع تجاه الشرق الأوسط وخاصة بعد الانسحاب من أفغانستان. فالموقف العسكري الأمريكي في سورية مثير للقلق بشكل خاص، حيث حذّر الخبراء الإقليميون: نيل كويليام وفريد هوف من الانسحاب. فالاتصالات مع القادة العرب والإسرائيليين خلال الزيارة الأخيرة إلى المنطقة تعزز تأكيدات أصحاب هذا التحذير بشأن الشكوك المتعلقة ببقاء الإدارة في السلطة.

ومع ذلك، في ظل الاحتجاج الدولي بشأن إجراء الانسحاب الأمريكي، والحاجة الجديدة لإظهار الثبات والعزيمة الراسخين ضد الإرهابيين، وخاصة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فمن غير المرجح أن تنسحب الولايات المتحدة من سورية. فعلى مدى العقد الماضي، تدهور الوضع في سورية ليتحوّل إلى واحد من أخطر الصراعات الداخلية في المنطقة إلى جانب أفغانستان. وفي الوقت نفسه، فإن زيادة الرصانة بشأن التقارب مع إيران -التي تتصرف على الأرض في المنطقة بنفس القوة التي تتصرف بها في الملف النووي- تشير إلى الحاجة إلى دور أكثر فاعلية لواشنطن في سورية، وبالتالي هناك وعي متزايد بأن الولايات المتحدة يجب أن تفعل المزيد لإظهار العزم.

على الرغم من وجود وقف فعلي لإطلاق النار في معظم أنحاء سورية في الوقت الحالي، إلا أن مركزيتها ووجود قوات من خمس دول خارجية تتعامل مع الحكومة السورية وقوات المعارضة، تشير إلى أنها قد لا تبقى هادئة لفترة طويلة.

حتى الآن، كانت الإدارة سلبية بشكل غريب بشأن سورية على عكس الجهود الكبيرة التي قادتها الإدارتان الأخيرتان. هذه السلبية المربكة لشركائها تعزز الشكوك في أن القوات الأمريكية في سورية قد تكون القوة التالية المنسحبة. لكن في الواقع، هناك ما يبرر دورًا أكثر نشاطًا هناك ومنذ فترة طويلة وبشروط خاصة، نظرًا للتدخل الخطير لتلك الدول الخارجية والوضع الإنساني الكارثي. ويقترن هذا التبرير الآن بحاجة واشنطن لإظهار القوة الحاسمة.

لقد أتاح العاهل الأردني الملك عبد الله فرصة للقيام بذلك. فخلال زيارته الأولى لواشنطن في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة في تموز/ يوليو، اقترح جهدًا دوليًا جديدًا، حيث حشد مجموعة من الدول المعنية، لتقديم تسوية تمثّل الحل الوسط عَبْر روسيا. وأشاد المسؤولون الأمريكيون بالفكرة من حيث المبدأ، لكنهم لم يقوموا بشيء منها سوى تسهيل نقل الكهرباء الأردنية عبر سورية إلى لبنان. ثم سافر الملك عبد الله من فوره إلى موسكو لتشجيع الفكرة مع بوتين. فإذا تمّ تطبيق مبادرة الملك بذكاء، يمكن لها أن تساعد في استقرار الصراع السوري دون دور أمريكي مركزي بشكل مفرط، ولكنها ستتطلب دعمًا واضحًا من البيت الأبيض.

على الرغم من التساؤلات حتى الآن حول رد فعل واشنطن، فإن الملك وكبار مستشاريه سيواصلون دفع المبادرة. هذا منطقي بالنسبة لعمّان؛ لأن الأردن تستضيف أكثر من مليون لاجئ سوري بتكلفة باهظة، لكن لا يمكنه تحمّل المزيد إذا استمر القتال من جديد. كما أن الأردن تواجه "داعش" والإيرانيين على حدودها مع سورية، وتحتاج بشكل عاجل إلى عودة اللاجئين واستئناف الحياة الاقتصادية في سورية. ويتفهم الأردنّ أنه لا يمكن أن يقود صفقة مع موسكو بمفرده، وبالتالي يسعى للعمل من خلال مجموعة من الدول التي يؤدي ضغطها على الأسد إلى منع أي عودة إلى "الوضع الطبيعي" وهو الأمر الذي يراه كل من الأسد وبوتين انتصارًا.

تلك الدول لها تأثير كبير في التسوية المقترحة. فما يساوي 30٪ من الأراضي السورية يسيطر عليها الجيشان الأمريكي والتركي وحلفاؤهما السوريون. وتضرب إسرائيل بشكل روتيني أسلحة إيران الإستراتيجية في سورية. كما تخنق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل اقتصاد النظام من خلال العقوبات، وتوقف مساعدات إعادة الإعمار، والحظر البحري. وتنفي الدول العربية اعترافها الدبلوماسي بالأسد في جامعة الدول العربية وعلى الصعيد الثنائي أيضاً. يمكن استخدام كل هذه الضغوط ضد الأسد حتى يتعاون مع عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2254.

وكما يراها الأردنيون (كما فعلت الإدارتان الأمريكيتان الأخيرتان)، فإن حملة الضغط الواسعة هذه تخلق ورقة ضغط من أجل تسوية مقايضة. ويدرك الأردنيون أن المجتمع الدولي لا يستطيع الضغط من أجل تحقيق أهداف قصوى مثل رحيل الأسد أو تخلي روسيا عن موقعها العسكري. ولكن في مقابل التخفيف التدريجي للضغوط على الأسد، يمكن لدمشق وموسكو التنازل عن القضايا المتعلقة بسورية والتي تهمّ تلك الدول التي تمارس الضغط.

وتشمل هذه القضايا: نزع السلاح الإستراتيجي الإيراني, وتغيير سياسات الأسد تجاه شعبه بما يكفي لتشجيع عودة اثنَيْ عشر مليون لاجئ ونازح داخليًا (أي نصف السكان), والتعبئة ضد "داعش", وإنهاء برنامج الأسد للأسلحة الكيماوية. عِلاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي التحسّن في سلوك النظام السوري إلى إعادة دمج قوات المعارضة المسلحة بما في ذلك حليف أمريكا، وهي قوات سورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد، الأمر الذي من شأنه تهدئة مخاوف تركيا بشأن حزب العمال الكردستاني والأعداء الآخرين على حدودها. كل هذه الصفقة يمكن أن يتم دمجها في عملية السلام التابعة للأمم المتحدة.

لقد رفض الروس مقاربات أمريكية مماثلة من قبل، ربما لأنهم اعتقدوا أنه في ظل تراجع إدارتَيْ ترامب وأوباما، مع عدم ثبات الرئيسين بشأن سورية، فإن الولايات المتحدة قد تستسلم. ومع ذلك، في حين أن موسكو نفسها لم تتنازل عن هدفها المتطرف في "انتصار" النظام السوري، فإن الولايات المتحدة والدول الأخرى لم يتنازلوا أيضاً عن ضغوطهم. فمع ما لا يقل عن ثلاث سنوات أخرى قادمة من حكم الرئيس بايدن، قد لا ترغب موسكو في انتظار إدارة أخرى وهي (أي روسيا) المثقلة بالإنفاق على تواجُدها في سورية.

ومع ذلك، فإن مفتاح النجاح الأردني سيكون دورًا أمريكيًا أكثر فاعلية في حشد دعم الدول الأخرى لمبادرة عمّان. فلا يمكن لواشنطن إعطاء الأولوية لمصالحها الفورية في سورية -محاربة "داعش" والمساعدات الإنسانية- وتجاهل مصالح إسرائيل وتركيا وقوات سورية الديمقراطية والأردن ودول عربية أخرى. بدلاً من ذلك، يجب أن تضمن استمرار الضغط على الأسد نفسه والآخرين حتى يتمكن من القيام بمثل هذا الدور الجديد. وعند القيام بذلك، يجب على واشنطن أن تدرك أخيرًا أن النجاح الإستراتيجي الإيراني والروسي في سورية، الذي يأتي في أعقاب الانسحاب الأفغاني، سيعرّض نظام الأمن الإقليمي الأمريكي المفروض منذ عقود، والأمن العامّ الذي وفرته أمريكا للخطر.

المقالات المنشورة في "نداء بوست" تعبّر عن آراء كتابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع.