ما المتوقع من سياسة بايدن في الشرق الأوسط؟

ما المتوقع من سياسة بايدن في الشرق الأوسط؟ وزير الخارجية الأمريكي والرئيس جو بايدن

تتمثل أولويات الرئيس بايدن في احتواء وباء كورونا، والإشراف على التوزيع الآمن والفعال للقاح، وتحفيز الاقتصاد. 

كثيراً ما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان إن السياسة الخارجية تبدأ من الداخل، والقوة المحلية ضرورية لسياسة خارجية ناجحة.

يخلق الانقسام بنسبة 50 إلى 50 في مجلس الشيوخ الأمريكي فرصاً وتحديات للرئيس بايدن على جبهة السياسة الخارجية. 

العمل على السياسات التي تتمتع بدعم الحزبين يخلق رأس مال سياسي يمكن للرئيس بايدن إنفاقه على القضايا المحلية التي ينقسم مجلس الشيوخ حولها على أسس حزبية. 

ومع ذلك، عندما يكون هناك دعم من الحزبين لسياسات لا تتماشى بالضرورة مع مسار العمل المفضل للإدارة، تقل مساحة المناورة لدى الرئيس وتزداد التكاليف السياسية المحلية للإجراءات السياسية.

غالباً ما يُقال إن السياسة الخارجية لإدارة بايدن ستكون ببساطة استمراراً لسياسة إدارة أوباما.

ومع ذلك، فإن العالم الذي يأتي إليه الرئيس بايدن يختلف عن الذي تركته إدارة أوباما لدونالد ترامب قبل أربع سنوات، وهذا صحيح بشكل خاص في حالة الشرق الأوسط. 

إن تحول القوة والتحالفات الجديدة بين الدول الإقليمية، وانتشار السلطة بعيداً عن الدول، والتساؤل المتزايد حول الحوكمة داخل مؤسسات الدولة، يضع قيوداً على ما يمكن أن يفعله الفاعلون الخارجيون، بما في ذلك القوى العالمية مثل الولايات المتحدة، في المنطقة.

أصبحت الجهات الفاعلة والديناميكيات الإقليمية بشكل متزايد أقل عرضة لتأثير الجهات الخارجية. 

علاوة على ذلك، أثارت إدارة ترامب الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بالاتفاقات السابقة. 

هل يستطيع الرئيس بايدن إقناع الحلفاء والأعداء في المنطقة بأن الرئيس الأمريكي القادم لن يتراجع عن الالتزامات التي قطعها على نفسه، كما فعل ترامب خلال السنوات الأربع الماضية؟

ليس من الواضح أن الشرق الأوسط ليس على رأس قائمة أولويات إدارة بايدن، قال وزير الخارجية أنتوني بلينكن بأنه فيما يتعلق بتخصيص الوقت وأولويات الميزانية، فإن الولايات المتحدة ستعمل أقل وليس أكثر في الشرق الأوسط. 

ومع ذلك، إذا كان الماضي بمثابة مقدمة، فإن الشرق الأوسط دائماً ما يجد طريقة لفرض نفسه على أجندة كل رئيس أمريكي. 

علاوة على ذلك، سيكون التحدي الذي يواجه الإدارة هو كيفية الاحتفاظ بنفوذها على الجهات الفاعلة والديناميكيات الإقليمية، خاصة في سعيها لجهودها الرامية إلى تهدئة النزاعات في سوريا واليمن والعراق وليبيا والتعامل مع العلاقة المعقدة من المشاكل المتعلقة بإيران، بينما تنفق وتقلل في المنطقة.

أقترح فحص سياسات إدارة بايدن في الشرق الأوسط من خلال أربع عدسات سياسية:

أولاً: استعادة الشراكات التاريخية مع أوروبا: الشرق الأوسط هو أحد مجالات المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وحيث يمكن توطيد العلاقات عبر الأطلسي.

ثانياً: إيران: ذكر الرئيس بايدن أنه إذا عادت إيران إلى الامتثال لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي لخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، ينبغي على الولايات المتحدة أن تفعل ذلك. 

لكن هذا لا يعني بالضرورة العودة إلى النقطة التي توقفت عندها المفاوضات بقيادة وزير الخارجية السابق جون كيري. 

الفكرة هي أن تقوم الولايات المتحدة ببذل المزيد من الجهد بشأن القضايا ذات الاهتمام فيما يتعلق بإيران، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية والسلوك المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط، بما في ذلك دعمها للميليشيات المسلحة غير الحكومية.

إنهم لا يريدون فقط إعادة برنامج إيران النووي "إلى المربع الأول مرة أخرى" من خلال ضمان عودة إيران إلى الامتثال لالتزاماتها وفقاً لشروط اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، فقد قال المسؤولون الأمريكيون، بمن فيهم وزير الخارجية بلينكين، بأن هناك حاجة إلى اتباع مفاوضات لبناء اتفاق نووي أقوى وأطول أجلاً ومعالجة القضايا الأخرى التي تهم إدارة بايدن وحلفائها وشركائها الإقليميين بشأن إيران.

لقد توصّل البلدان إلى طريق مسدود حالياً بشأن الملف النووي. 

ما هي التنازلات التي يرغب أي من الجانبين في تقديمها لإعادة الامتثال لاتفاقية 2015 هي محل الخلاف، ومع مرور الوقت، تزداد التكلفة السياسية لهذه التنازلات. 

ليس من الواضح ما إذا كانت طهران مستعدة لإعادة الانخراط دبلوماسياً مع الولايات المتحدة، وأنها تريد العودة إلى الامتثال لالتزامات خطة العمل الشاملة المشتركة، وأنها ستوافق على وضع برنامجها للصواريخ الباليستية وسلوكها الإقليمي المزعزع للاستقرار، بما في ذلك دعمها لوكلائها في لبنان والعراق وسوريا واليمن على طاولة المفاوضات.

كما أنه ليس من الواضح ما هي العقوبات التي ترغب إدارة بايدن في رفعها مقابل الامتثال الإيراني.

قد يكون رفع بعض العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على إيران مكلفاً للغاية من الناحية السياسية بالنسبة للرئيس بايدن.

ثالثاً: إنهاء الحروب إلى الأبد: هذه مسألة اتفاق واسع داخل الحزب الديموقراطي بين جناحيه المعتدل والتقدمي. 

من الناحية السياسية، يُترجم هذا إلى استخدام القوة كملاذ أخير والدبلوماسية كأول أداة للقوة الأمريكية، كما أنه يُترجم إلى تعريف أضيق لمهمة القوات الأمريكية في المنطقة وإعادة غالبية القوات الأمريكية المتمركزة في أفغانستان والعراق، لذا لن يتم استخدام القوة بتهور، بل سيتم استخدامها بشكل انتقائي وذكي. 

ومن الأمثلة على ذلك قرار الرئيس بايدن شن ضربات انتقامية ضد الميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران والعاملة في سوريا والعراق رداً على الهجمات التي نفذتها ضد الأصول الأمريكية في العراق وإقليم كردستان. 

يعكس هذا القرار تصميم الإدارة على التعامل مع الجهات الفاعلة المزعجة في المنطقة عندما تهدد المصالح الأمريكية.

في حين أن السياسة الأمريكية في مختلف المسارح في الشرق الأوسط لا تزال قيد المراجعة، إلا أن هناك بعض بنود العمل التي سبق أن أوضحها المسؤولون الأمريكيون: 

أ- إنهاء الدعم للعمليات العسكرية الهجومية التي تقودها المملكة العربية السعودية في اليمن وتعيين مبعوث خاص لليمن للمتابعة جنباً إلى جنب مع الأمم المتحدة، وإيجاد حل دبلوماسي للحرب. 

ب- إعادة الانخراط دبلوماسياً مع سوريا، خاصة وأن العديد من المسؤولين في إدارة بايدن الذين عملوا على الملف السوري في الماضي يدركون تماماً أوجه القصور العديدة في سياسة إدارة أوباما تجاه سوريا.

هذا لا يعني تطبيع العلاقات مع نظام الأسد أو سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا. في الواقع ، تعتبر إدارة بايدن الخطوة الأخيرة وسيلة لنفوذ الولايات المتحدة في العملية الدبلوماسية التي تقودها الأمم المتحدة

ج- السيطرة على الأضرار في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والابتعاد عن سياسات ترامب المؤيدة للضم والعودة إلى التأييد النظري الأمريكي التقليدي لحل الدولتين، وكذلك استعادة المساعدات الإنسانية والاقتصادية للفلسطينيين.

ولا يعني هذا الالتزام بوعود أخرى مثل إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية أو إعادة فتح بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، يمكن أن يكون لهذه الإجراءات السياسي تكاليف سياسية باهظة محلياً، وفي حالة إعادة فتح بعثة منظمة التحرير الفلسطينية، ستواجه أيضاً عقبات قانونية.

د- دفع العملية الدبلوماسية التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا. 

رابعاً: تحوّل القيم، مع التأكيد المتجدد على حقوق الإنسان في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، والتي لم تكن مهمة لإدارة ترامب ذات المعاملات التجارية. 

من الأمور ذات الأهمية الخاصة للرئيس بايدن قضية مكافحة الفساد، فقد وعد الرئيس بايدن بإصدار توجيه رئاسي يقر بأن الفساد محط اهتمام أساسي للأمن القومي.

كما وعد بتنظيم واستضافة قمة عالمية للديمقراطية في سنته الأولى في المنصب، وتسعى الولايات المتحدة للحصول على التزامات الدول في ثلاثة مجالات: 1- محاربة الفساد، 2- الدفاع ضد الاستبداد، 3- النهوض بحقوق الإنسان في بلدانهم وخارجها.

تروّج إدارة بايدن لقرار إصدار التقرير الاستخباراتي لعام 2018 الذي يربط ولي عهد المملكة العربية السعودية باغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي كدليل على تحول القيم الذي يلتزمون به لدعم حقوق الإنسان وإنهاء الإفلات من العقاب في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، بالنسبة للكثيرين في الحزب الديموقراطي وخاصة في جناحه التقدمي، فإن قرار إصدار التقرير لا يكفي، بالتأكيد، سيواجه الرئيس بايدن مطالب الديموقراطيين في الكونغرس وجماعات حقوق الإنسان باتخاذ إجراءات عقابية ضد ولي العهد نفسه. 

في الوقت نفسه، تحتاج الإدارة إلى تعاون الحكام السعوديين، ولا سيما ولي العهد، في التعامل مع مجموعة من التحديات في الشرق الأوسط، ليس أقلها إنهاء الحرب في اليمن.

تواجه إدارة بايدن ملعباً إقليمياً أقل مواتاة لمصالح الولايات المتحدة وحيث تتنافس الصين وروسيا على قوتهما اللتين عززتا علاقاتهما بالشرق الأوسط. 

يمكن أن يساعد العمل مع المنافسين لجلب دول المنطقة للتفاوض والموافقة على إطار تعاون إقليمي جديد في إيجاد حلول للتجزئة والانقسامات التي طال أمدها في المنطقة والتي لم تتمكن الجهات الفاعلة الإقليمية حتى الآن من تصميمها وتنفيذها بمفردها و خدمة المصالح الأمريكية الدائمة في شرق أوسط آمن ومزدهر.

المصدر: نادي فالداي / ترجمة: نداء بوست