ماذا تفعل روسيا في البحر الأسود؟

ماذا تفعل روسيا في البحر الأسود؟ الرئيس الروسي بوتين ووزير الدفاع شويغو على متن مركب في البحر الأسود - إنترنت

مترجم - كارنيغي

ما أهمية البحر الأسود بالنسبة لروسيا؟

يعتمد نهج روسيا في التعامل مع البحر الأسود على تاريخ يمتد لقرون من المواجهة مع القوى الكبرى في أوروبا وعلى التنافس الجيوسياسي الطويل بين روسيا وتركيا، وتشمل أهدافها درء أي تهديد من الناتو، سواء على قلب روسيا أو معقلها الاستراتيجي في شبه جزيرة القرم، كما أنها تريد تقويض تماسك الناتو من خلال محاولة تأجيج الانقسامات بين أعضاء الحلف على طول البحر الأسود، ومنع أوكرانيا وجورجيا من الانضمام إلى الحلف.

على نطاق أوسع، ترى موسكو أن منطقة البحر الأسود حيوية لاستراتيجيتها الجغرافية الاقتصادية لإبراز القوة والنفوذ الروسي في البحر الأبيض المتوسط ​، وحماية روابطها الاقتصادية والتجارية مع الأسواق الأوروبية الرئيسية، وجعل جنوب أوروبا أكثر اعتماداً على النفط والغاز الروسي.

تدرك روسيا جيداً احتمالية تدفق عدم الاستقرار من الشرق الأوسط إلى روسيا -ولا سيما شمال وجنوب القوقاز- ترى روسيا أيضاً أن هذه الكتلة المائية تعتبر منطقة أمنية عازلة مهمة، وتحميها من التقلبات التي قد تنبع من الجنوب.

تعتمد موسكو على البحر الأسود للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​وما وراءه، سواء للعمليات العسكرية خارج جوارها المباشر أو لتصدير السلع الروسية الرئيسية كمشتقات النفط، وترى موسكو أن البحر الأبيض المتوسط ​​يسيطر عليه الناتو إلى حد كبير، لكنها تأمل في اكتشاف الفرص لتحقيق غزوات سياسية واقتصادية وعسكرية مع الدول الإقليمية الرئيسية، كما فعلت في سوريا، على سبيل المثال، تتطلع روسيا إلى فرص لتوسيع نفوذها في دول البحر الأبيض المتوسط ​​مثل قبرص ومصر وإسرائيل وليبيا وتركيا.

ما هو تاريخ نشاط روسيا في البحر الأسود؟

في عام 1783، أنجزت كاثرين العظيمة سعي روسيا التاريخي للحصول على ميناء بمياه دافئة بضم شبه جزيرة القرم لأول مرة، كانت موانئ المياه الدافئة ذات قيمة بالنسبة لروسيا من حيث إنها صالحة للملاحة على مدار العام، على عكس العديد من الموانئ في شمال روسيا.

منذ ذلك الحين، كانت روسيا قوة مهمة في المنطقة، وغالباً ما كانت تتنافس وجهاً لوجه مع الإمبراطورية العثمانية ثم مع تركيا بشأن الوصول إلى البحر.

كانت القوى الأوروبية الأخرى، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، نشطة أيضاً في البحر الأسود، لا سيما خلال حروب القرم في منتصف القرن التاسع عشر، لكن خلال الحرب الباردة، أصبحت موسكو القوة المهيمنة في المنطقة.

سيطر على الشواطئ الشمالية والشرقية للبحر، مع رومانيا وبلغاريا الاشتراكية المطيعة -ثم أعضاء في الكتلة الشرقية- إلى الغرب، كانت تركيا فقط وهي العضو في الناتو بمثابة قوة موازنة للاتحاد السوفيتي في البحر الأسود، والذي كان يشار إليه أحياناً في ذلك الوقت باسم "البحيرة السوفيتية".

في العقدين اللذين أعقبا الحرب الباردة، شهدت روسيا تحوّلاً لثرواتها في منطقة البحر الأسود، حيث انضمت بلغاريا ورومانيا إلى الناتو، كما أعلنت جورجيا وأوكرانيا عن نيتهما في الانضمام إلى الحلف، وكل ذلك يخاطر بتحويل التوازن الإقليمي لصالح الناتو. 

احتفظت روسيا بالسيطرة على الجزء الأكبر من أسطول البحر الأسود التابع للاتحاد السوفيتي عبر سلسلة من الاتفاقيات مع أوكرانيا قسمت الأسطول بين البلدين وسمحت لروسيا باستئجار ميناء سيفاستوبول الأوكراني كقاعدة للأسطول، لكن موسكو واجهت منافسة من تركيا، التي شرعت في استراتيجية لتنمية دول الاتحاد السوفيتي السابق، ولا سيما الدول الإسلامية وتلك التي تتحدث اللغة التركية، بما في ذلك أوكرانيا حيث كانت أنقرة مدافعة صريحة عن حقوق تتار القرم.

تبرر موسكو حروبها مع جورجيا في عام 2008 ومع أوكرانيا في عام 2014 على أنها ضرورية لمنع التوازن الاستراتيجي من التحول بشكل حاسم لصالح الناتو -إذا حاول أي من البلدين الانضمام إلى التحالف الغربي- وإخافة الدول السوفيتية السابقة الأخرى حتى من التفكير في التحالف أو التقارب من الغرب.

أظهر العدوان الروسي ضد جورجيا وأوكرانيا استعداد موسكو لاستخدام الحرب النشطة لمنع أي دولة سوفيتية سابقة أخرى (خارج دول البلطيق التي انضمت إلى الناتو في عام 2004) من الانضمام رسمياً إلى الناتو، حتى لو كانت عضوية الناتو لا تزال بعيدة الاحتمال بالنسبة لجورجيا وأوكرانيا في الوقت الذي خاضت فيه روسيا الحرب معهم.

لماذا أصبحت روسيا أكثر عدوانية في منطقة البحر الأسود؟

تعتقد موسكو أن التهديدات من منطقة البحر الأسود قد نمت في السنوات الأخيرة وهي أكثر من مجرد مخاطر إقليمية، يعني قرب البحر الأسود من قلب روسيا أن جزءاً كبيراً من روسيا الأوروبية يمكن أن يكون ضمن مدى الصواريخ الأمريكية متوسطة المدى البرية والبحرية.

اشتكى المسؤولون الروس من أن نشر نظام الدفاع الصاروخي لحلف الناتو في رومانيا يمثل تعدياً على البنية التحتية الاستراتيجية الأمريكية في جوار روسيا ويهدف إلى تقويض الأمن الروسي.

اليوم، تنظر روسيا إلى شبه جزيرة القرم كنقطة انطلاق لإبراز قوتها في منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​الأوسع.

تلاشت خطط موسكو لإعادة بناء نفوذها في المنطقة بعد الحرب الباردة، كما تلاشت مكانة شبه جزيرة القرم في مهمة روسيا لردع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والدفاع ضدهما في حالة نشوب صراع بين الشرق والغرب، واستخدمت روسيا منذ ذلك الحين ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 وما تلاه من تعزيز لقدرات الدفاع البحرية والبرية والجوية لمعالجة هذا الضعف، ومع ذلك، فإن رد الفعل العدواني للكرملين على الدوريات البحرية والجوية الأمريكية في البحر الأسود وفوقه يسلط الضوء بوضوح على التصورات الروسية المستمرة للضعف هناك.

كيف تحاول موسكو التأثير على شؤون البحر الأسود الواسعة؟

روسيا لديها عيوب واضحة في البحر الأسود، بسبب مزيج من الجغرافيا والسياسة التي تحد من وصولها إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​الأوسع، وعلى الرغم من أن شبه جزيرة القرم ومدينة نوفوروسيسك الساحلية الجنوبية الروسية توفران للبحرية والناقلات الروسية إمكانية الوصول إلى موانئ المياه الدافئة، يجب على جميع السفن التي تدخل البحر الأسود أو تغادره أن تمر عبر مضيق البوسفور والدردنيل الخاضعين للسيطرة التركية، وهما ممران مهمان استراتيجياً بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط.

تم تأكيد سيطرة أنقرة على مضيق البوسفور والدردنيل في اتفاقية مونترو لعام 1936 وبموجب الاتفاق، تسمح تركيا للسفن المدنية بالمرور عبر المضيق في وقت السلم وتفرض بعض القيود على السفن العسكرية التي لا تنتمي إلى الدول المطلة على البحر الأسود، ولطالما كانت روسيا قلقة بشأن قدرة تركيا على استخدام المضيق كوسيلة خنق أثناء الصراع.

واليوم، ينخرط الكرملين في مناورات جيوسياسية معقدة مماثلة مع تركيا، ولدى الرجلين القويين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان علاقة معقدة، لقد قدمت موسكو مجموعة من الإغراءات أمام تركيا، بما في ذلك بيع نظام الدفاع الجوي S400، وبناء محطة للطاقة النووية، والدعم الدبلوماسي خلال محاولة الانقلاب عام 2016 ضد أردوغان، إلى جانب الضغط والتهديدات المستترة لتركيا المتعلقة بسوريا.

إن التوترات الأخيرة بين واشنطن وأنقرة، والتي استمرت في ظل إدارة الرئيس جو بايدن، توفر لموسكو فرصة لتقويض تماسك التحالف بين الولايات المتحدة وتركيا وموقفه على الجانب الجنوبي، كما أن مواقف تركيا وخيبة الأمل المتزايدة من الاتحاد الأوروبي تجعل من السهل على روسيا الاستفادة من الانقسامات بين تركيا وأوروبا.

كيف يلعب الاقتصاد دوراً في نهج روسيا تجاه البحر الأسود؟

بالنسبة لموسكو، فإن أمن الوطن الروسي والقدرة على إبراز القوة يتصدران جميع الاعتبارات الأخرى، لكن لدى روسيا أيضاً أصولاً اقتصادية مهمة في منطقة البحر الأسود تريد حمايتها، حيث يعد البحر الأسود شرياناً مهماً للتجارة والنقل بالنسبة لروسيا. 

تعتمد كل من روسيا ودول آسيا الوسطى اعتماداً كبيراً على ميناء نوفوروسيسك الروسي لتصدير الحبوب والنفط بالسفن؛ وهذا يوفر لموسكو نفوذاً مفيداً على آسيا الوسطى غير الساحلية، وفي الوقت نفسه، تستثمر روسيا في بنية تحتية جديدة لحماية ممرها التجاري على البحر الأسود وإنشاء المزيد من الطرق البديلة للالتفاف على أوكرانيا، وسلسلة من خطوط أنابيب النفط والغاز عبر تركيا، بما في ذلك خط أنابيب ترك ستريم الذي تم إطلاقه حديثاً، ستدعم العلاقات الروسية التركية، وتحسن نفوذ روسيا مع تركيا، وتزود موسكو بطرق تصدير جديدة تتجاوز أوكرانيا.

علاوة على ذلك، فإن علاقات روسيا المتوسعة في مجال الطاقة في البلقان، وخاصة في بلغاريا ومقدونيا الشمالية وصربيا، قد جعلت الكرملين يستخدم الطاقة كسلاح جيوسياسي وتقويض نفوذ الناتو والاتحاد الأوروبي في المنطقة الهشة. 

تخدم خطوط الأنابيب هذه أكثر من وظيفة واحدة: فهي تولد إيرادات وتعمل كأدوات جيوسياسية في هجوم موسكو والدفاع عن مصالحها في منطقة البحر الأسود الأوسع وعلى الجانب الجنوبي من أوروبا.

كيف يبدو المستقبل بالنسبة لروسيا في البحر الأسود؟

على الرغم من تعزيز روسيا مؤخراً لقدرات البحر الأسود واستعدادها المؤكد للتدخل في شؤون جيرانها في البحر الأسود، فإن التوقعات في منطقة البحر الأسود لا تبدو في صالح روسيا، وإن دفعت أوروبا نحو هدف خالٍ من الأضرار بحلول عام 2050 وتزايد المنافسة في سوق الغاز لكل من الغاز الطبيعي المسال وغاز خط الأنابيب الأذربيجاني سيقوض النفوذ الاقتصادي لروسيا.

ربما تكون موسكو قد منعت جورجيا وأوكرانيا من الانضمام إلى حلف الناتو، لكنها بذلك حوّلت كلا البلدين إلى أعداء دائمين، وسيتطلب وجودهم على الحدود الروسية وعلاقاتهم المتنامية مع الناتو من روسيا الاحتفاظ بأصول عسكرية كبيرة. 

تسبب العدوان الروسي في منطقة البحر الأسود أيضاً في تشكك دول أوراسيا السابقة الأخرى في مصداقية روسيا ونواياها، مما أدى إلى تنشيط جهود هذه الدول نحو استراتيجيات دبلوماسية وأمنية متعددة الاتجاهات. 

بالمثل، تم الكشف عن النفوذ الروسي الخبيث عبر المنطقة الأوسع في السنوات الأخيرة، مما قوض الدعم الشعبي والنخبوي لموسكو في العديد من البلدان.

قد يكون التقارب الروسي التركي هو أبرز تحول في الديناميكيات الإقليمية للبحر الأسود على مدى العقد الماضي، ومع ذلك، لا تزال تركيا شريكاً غير موثوق به لموسكو، ولها تاريخ طويل في العلاقات العدائية مع روسيا.

تريد أنقرة توسيع نفوذها في ما تعتبره روسيا مجالها المتميز، (كما يظهر بوضوح في الدعم العسكري التركي لأذربيجان في حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020)، تواصل تركيا أيضاً دعماً صريحاً لوحدة أراضي أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، وبيع الأسلحة إلى أوكرانيا.

أخيراً، يقبل الناتو بشكل متزايد روسيا باعتبارها خصمه الرئيسي، وقد عزز ذلك الدعوات إلى استراتيجية غربية أكثر قوة تجاه روسيا، لا سيما في البحر الأسود وجنوب شرق أوروبا، ومع ذلك، في مواجهة هذه التحديات، من غير المرجح أن تتراجع روسيا وستدافع عن موقفها بضراوة.