أليكس بيلوتي

محرر الأخبار في الميرور البريطانية

في سلسلة أفلام جديدة للقناة الرابعة البريطانية: رفاق بن لادن يكشفون وجهاً آخر لمخطّط هجمات 11 أيلول

في سلسلة أفلام جديدة للقناة الرابعة البريطانية: رفاق بن لادن يكشفون وجهاً آخر لمخطّط هجمات 11 أيلول مصدر الصورة: سوشال ميديا

عن الميرور البريطانية - قسم الترجمة في "نداء بوست" - عبدالحميد فحام

الفيلم الوثائقي الجديد على القناة الرابعة (بن لادن: الطريق إلى 11 أيلول/ سبتمبر) يعرض شهادات أصدقاء ورفاق أسامة بن لادن في مرحلة الطفولة الذين يكشفون كيف أصبح ابن الملياردير أكثر مجرم مطلوب في العالم.

بحلول الوقت الذي قاد فيه أتباعه المنحرفون طائرتَيْ ركاب إلى برجَيْ مركز التجارة العالمي، كان أسامة بن لادن قد حقق مكانة شِبه أسطورية كوجه للجهاد الحديث.

لكن وراء صورته العامّة المصممة بعناية، كان المقربون من زعيم القاعدة يعرفون رجلاً مختلفاً- حالماً يسهل خداعه والتلاعب به بالفطرة وهو مولود وفي فمه ملعقة ذهب.

كان المتطرف سيئ السمعة، الذي طاردته القوات الأمريكية وقتلته في أيار/ مايو من عام 2011 بسبب الهجوم الإرهابي المروع في 11 سبتمبر، واحداً من بين 54 ولداً من أبناء محمد بن عوض بن لادن، الملياردير العصامي الذي له صلات وثيقة بالعائلة المالكة السعودية.

لقد تلقن بن لادن علوم الدين على يد معلمين إسلاميين، وتحدّى رغبات والدته في الانضمام إلى المقاومة ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان، واشترى النفوذ بثروته الضخمة على الرغم من كونه جاهلاً في أصول القتال و"ليس ذكياً جداً".

الآن، قبل الذكرى العشرين لمأساة 11 سبتمبر، يعرض فيلم وثائقي جديد على القناة الرابعة شهادات أصدقاء طفولته وأتباعه، الذين يرسمون صورة انتهازي جرفته أحلام العظمة.

يقول الرجل الذي كان ذات مرة جاراً لابن لادن في فيلم "الطريق إلى 11/9": "دعوتُ عليه سراً بالموت". "لقد حزنت على الشخص الذي كنت أعرفه وأحببته، لكنني لم أحزن على الوحش الذي تقمّصه".

وريث ثروة تبلغ 30 مليون دولار ومعشوق الأب الثري

نشأ بن لادن في "جدة" بالمملكة العربية السعودية، وكان محبوباً لوالده، رجل الأعمال الذي كسبت عائلته أكثر من 5 مليارات دولار في صناعة البناء.

ومع ذلك، فقد ربّته والدته علياء بعدما انفصلت عن أبيه "محمد" بعد عام واحد فقط من زواجهما.

لقد أمضى طفولة "عادية" في الطبقة الوسطى في مشاهدة التلفزيون والاستماع إلى الموسيقى ولعب كرة القدم- على الرغم من قوته الرياضية المحدودة.

في سن التاسعة، تغيّرت حظوظ بن لادن -بالمعنى الحرفي للكلمة- عندما تُوفي والده، تاركاً له ميراثاً يقدر بنحو 30 مليون دولار.

كان تأثير صدمة الرحيل كبيراً على الوريث "الخجول والمتمتع بكاريزما"، الذي غمرته أحلامه بإحداث تأثيره الخاص على العالم.

يقول الصحفي السوري إبراهيم الجبين: "لقد فقد والده". "أخبرتني عائلته أن ذلك جعله صبياً انطوائياً" يتحدث عن الأحلام. ويضيف: "أراد الهروب من الحاضر المشوب بشعور بانعدام الشرعية. كان دائماً يخبر المقربين منه عن أحلامه المستقبلية وعن كل الأشياء التي سيفعلها".

على عكس الأيديولوجية المحافظة المتطرفة التي من شأنها أن حددت سنواته الأخيرة، نشأت والدة بن لادن في عائلة من العلويين- طائفة من الإسلام الشيعي تعتبر ليبرالية بمعايير العديد من المسلمين.

ومع ذلك، أثناء دراسته في المدرسة، تأثر بشدة بالمدرّسين الإسلاميين، وفقاً لجاره في طفولته، خالد باطرفي.

يقول باطرفي: "لقد توقف عن مشاهدة الأفلام والبرامج التلفزيونية بشكل كامل". "ابتعد عنا، نحن أصدقاء طفولته".

"ذات يوم كنت أرتدي شورتاً قصيراً أثناء الذهاب إلى مباراة كرة قدم. كان هذا خطأ في الإسلام. نظر إلى ساقَيَّ ونظر إلى عينيَّ وقال: "وداعاً".

مذعوراً من الصراع الدامي بين إسرائيل وفلسطين في عام 1967، أصبح بن لادن مغرماً بشكل متزايد باحتمالية الجهاد- فكرة النضال أو القتال ضد أعداء الإسلام.

ووجد بن لادن في شخصية العالم الإسلامي الفلسطيني عبد الله يوسف عزام، معلماً روحياً يتصرف أيضاً بشكل متزايد كشخصية الأب.

ويوضح باطرفي: "لم يكن أسامة ذكياً". "كان يردد كل ما يقوله له الناس الذين يصدقهم. كانت هذه هي نقطة ضعفه.

"كان عبد الله عزام هو أكثر شخص موثوق بالنسبة لأسامة. أصبح بن لادن إسلامياً أكثر فأكثر في آرائه وأكثر عزماً على تغيير العالم وإحداث فرق. لكنه ذهب في طريق لا يمكن أن يؤدي إلّا إلى الجحيم".

في عام 1979، عندما بلغ بن لادن سن 21 عاماً، أتاح الغزو السوفيتي لأفغانستان فرصة لإثبات إخلاصه للجهاد.

ترك الجامعة، وانضم إلى عزام في باكستان لمساعدة المجاهدين- وهي مجموعة من مقاتلي المقاومة ضد الروس.

كان يتحدث بانتظام مع والدته التي تشعر بالقلق، والتي عارضت مهمته، وأكدّ لها أنه لن يقاتل على الجبهات، فقط في نهاية المطاف- ثم قام بحمل السلاح نتيجة لشغفه.

يذكر سيد رحمن وحيدار، قائد المجاهدين الأفغان، أن بن لادن كان من بين مجموعة صغيرة من الشباب العرب الذين كان عليه التعامل معهم "برفقٍ شديد" بسبب قلة خبرتهم التامّة في القتال.

كان المقاتل متحمّساً بشكل كبير، مع أنه كان طالباً بدون تدريب عسكري وتعين على القادة المحبطين كبح جماح حماسته.

يقول وحيدار: "أتذكر أنه خلال إحدى المعارك كان علينا أن نطلب منه البقاء منبطحاً وإلا سيُصاب".

"لم يستطع تمالُك نفسه، كان يركض من شخص لآخر. غضبت منه وصرخت: "اجلس" فجلس.

في حين أن قلة خبرة بن لادن في ساحة المعركة كانت ملحوظة، فقد كان قادراً على الاعتماد على سمة واحدة ذات قيمة.

بالاعتماد على ميراثه الواسع وعلاقاته بصناعة البناء، استدعى البنّائين إلى إنشاء طرق على الجبهة ليستخدمها المجاهدون.

يقول وحيدار: "كان هناك في الوحل ويعبث بجرافته". "لم نعتقد أبداً أن أسامة كان هو من يدفع تكلفة كل هذا. اعتقدنا أن شخصاً آخر كان ينظم ذلك وكان هو يساعد فقط".

صورة الجهادي الخارق

محبطاً لأن المجاهدين لم يثقوا بالعرب تماماً، أخذ بن لادن على عاتقه في النهاية تشكيل مجموعة مقاومة متفرعة في جبال أفغانستان.

أقاموا قاعدة في كهف يعرف باسم "عرين الأسد" بالمسادة. على بُعد مرمى حجر من الجبهة، حان وقت مشاركتهم في عام 1987 - فيما أصبح يُعرف باسم معركة جاجي.

خلال الصراع الذي دام أسبوعاً، حاصرت مجموعة من حوالي 200 جندي سوفيتي قوات بن لادن - الذين لم يتجاوز عددهم 50 جندياً.

نجح في نهاية المطاف في إجبار الروس على التراجع بعد أن استدعى يائساً المجاهدين للحصول على دعم.

على الرغم من عملية المقاتلين الهواة، أعلنت قوات بن لادن انتصاراً شهيراً وبعد أشهر سحب الاتحاد السوفيتي قواته من أفغانستان إلى الأبد.

بالنسبة للشباب المسلمين مثل أيمن دين، صانع القنابل السابق في القاعدة والذي تحوّل إلى جاسوس لجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، يقول إنه: قد ساهمت معركة جاجي في تأسيس بن لادن كمحارب جهادي ذي أبعاد أسطورية.

ويشرح قائلاً: "نشأنا في المملكة العربية السعودية، ولم يكن لدينا أبطال خارقون على شاشة التلفزيون". "كان لدينا الفاتحون المسلمون الأوائل".

"كانت معركة جاجي لحظة فاصلة عندما تحوّل أسامة بن لادن إلى فاتح مسلم على قيد الحياة. لقد كان بطلاً حيّاً".

بعد أن استهلك بن لادن شهرته المكتشفة حديثاً، بحث عن المزيد من المهام الجهادية- الابتعاد عن أيديولوجية عزام، الذي اعتبر النصر في أفغانستان هو المعركة النهائية.

شعر متشددون من جماعة الجهاد الإسلامي المصرية بأنهم قادرون على استغلال أمواله الوفيرة، وبدؤوا في الترفيه عن الزعيم الصاعد، مما أدى إلى تأجيج غروره من خلال اقتراح أنه يمكن أن يصبح أسطورة جهادية بقوة غير مسبوقة.

يقول دين: "لقد اعتقدوا أنه، يمكننا الحصول على أموال أسامة فهو لا يمثل تهديداً من الناحية الفكرية". "لن يسيطر علينا، بل نحن من سيسيطر عليه".

"لقد بدؤوا في التقرب من أسامة بشكل كبير. لقد تلاعبوا به، وأخبروه أنه يمكن أن يكون زعيماً عالمياً كبيراً وقد وقع تحت ذلك التأثير".

في عام 1988، أسس بن لادن ومعاونوه تنظيم "القاعدة" رسمياً. التنظيم الجديد سيعمل، في نظره، كمركز للجهاد الدولي.

مستنكراً وجود القوات الأمريكية في المملكة العربية السعودية، بدأ القائد في الدعوة إلى الانتقام من الغرب.

في تشرين الثاني (نوفمبر) 1980، داهم مكتب التحقيقات الفيدرالي منزل السيد نصير في نيوجيرسي، وهو مساعد لناشط "القاعدة" علي محمد.

كشفت العملية عن سلسلة من المخططات الإرهابية، بما في ذلك خطط لتفجير ناطحات سحاب في مدينة نيويورك.

بعد عقدين من الزمان، أصبحت الخطط البربرية حقيقة واقعة واعتُبر بن لادن أكثر المجرمين المطلوبين في العالم.

بالنسبة لـ باطرفي، جار طفولته، فإن الإرهابي الدولي لم يعد يشبه ذلك الصبي الذي كان يعرفه من قبل.

"بدأت أشعر بالحزن لأن ذلك لم يكن هو"، كما يقول، وهو يتأمل اللحظة التي ذهب فيها بن لادن لأول مرة إلى أفغانستان.

"لم يكن هذا صديق طفولتي، الصبي المسالم الذي ترعرعت معه. شعرت أنني فقدته. نزل في ذلك الوادي المظلم".

المصدر: صحيفة الميرور

المقالات المنشورة في "نداء بوست" تعبّر عن آراء كتابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع.