روسيا ليست شيوعية ولا ديموقراطية!

روسيا ليست شيوعية ولا ديموقراطية!سوشال ميديا

لم يزل لليوم الكثيرُ من "اليساريين" ينظرون إلى روسيا وكأنها الاتحاد السوفيتي السابق، القطب الشيوعي العالمي، المناهض والمعادي للإمبريالية العالمية! ربما ثَمة اختلاط يشوبه النفعية السياسية أو إصرار على حُلم في تحقيق منظومة الاشتراكية العالمية يخالطه الوهم والرغبة.

ثَمة من يعتقد أن انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989 كان انهياراً في المنظومة السياسية التي طبقت النظرية الماركسية بشكل خاطئ، ومع أن هذه النقطة بالذات نحرص على وجدان حامليها لحرصهم على منظومتهم الأخلاقية والفكرية المستمدة من الماركسية بإنصافها الطبقة العاملة وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلا أن الماركسية بذاتها -فكراً ومنظومةً- تتطلب النقد العميق خاصة بعد أن تجاوزتها العلوم العصرية والمعرفة البشرية، وباتت اليوم عاجزة عن التقدم، بل تشوبها العطالة التاريخية وهذا موضوع دُرس مرات عديدة وليس غرض المقال.

فيما تمسّك الكثير من رواد السياسة والأحزاب الشيوعية الكلاسيكية بعودة القطب الروسبوتيني (روسيا/ بوتين رئيسها الحالي) لواجهة الصدارة العالمية، ولحقوا بركبها محققين غرضين بآنٍ:

- فتح بوابة للمصالح الحزبية "اليسارية" المتماوتة منذ عقود، وإعادة إنعاشها من جديد.

 - الاستثمار الموارب في القضايا الوطنية وتحقيق المصالح الحزبية والفردية من خلال روسيا.

وحيث تتخذ النفعيةُ السياسةَ ممراً لها في الملفات المختلطة، لا بد لها من تغليف أيديولوجيتها بالجمل الأثيرية المحببة لمناصري تلك الأحزاب من قَبيل: عودة روسيا للحياة، اقتراب حُلم الاشتراكية وقيادة الأنتجلنسيا للدول، وتحقيق العدالة وهزيمة الإمبريالية الأمريكية. تقدم هذه الجمل كوجبات جاهزة تساعد على السمنة الحزبية والأيديولوجية مترافقة مع حجب كلي عن موقع روسيا اليوم، التي لم تعد شيوعية أبداً وليست معادية للإمبريالية، بل تستمد وجودها من نموذجها المتطرف عولمياً وبطريقة جيوبوليتيكية محدثة، تأتي على حساب القضايا الوطنية للشعوب وحقوق تقرير مصيرها، وعودة فرض شروط الهيمنة العسكرية الكلاسيكية والسطوة السياسية الدولية في تذكار مشين لمجريات التحالفات الدولية ما قبل الحرب العالمية الثانية.

روسيا اليوم دولة هيمنة وغطرسة سياسية، وإن كانت تُظهر عداءها لأمريكا شكلياً إلا أنها تدور في فلك سياستها العولمية وتنازعها جزئياً على موقع عالمي متقدم لها من خلال ملفات الشرق الأوسط بما فيها خطوط الغاز والطاقة العالمية، وخاصة بعد وصولها للمياه الدافئة على ساحل المتوسط من خلال سورية، حُلم روسيا القيصرية القديم الجديد.

منذ العام 2014، بدأت المؤشرات الدولية تشير بوضوح لعودة روسيا للساحة الدولية مجدداً، فبعد انكفائها لعقود وغرقها في مشاكلها الاقتصادية والسياسية خلالها، ومحاولتها الحفاظ على أمنها الإقليمي من خلال حربَي الشيشان وجورجيا وفرض وجودها في شِبه جزيرة "القرم" الأوكرانية، لكن هذا لم يؤهلها للعودة للمنظومة الدولية كقطب عالمي منفرد، إلا بعدما دخلت في معادلة الشرق الأوسط من خلال البوابة السورية.

 لتفرض بذلك سلسلة من المعادلات الجيوبوليتيكية سواء في سورية ومحيطها الإقليمي، أو بالخارطة الدولية وأهمها تمكنها من المناورة مع القرارات الدولية بين رافض كلي يستخدم حق النقض الفيتو لأكثر من 16 مرة خلال أعوام في المسألة السورية، وهي التي لم تستخدمه بما لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة طوال 30 عاماً سابقة! وموافق مخاتل على تنفيذ القرارات الأممية بغية دخول اللعبة الدولية من خلال شرعية مجلس الأمن.

 وقد ظهر هذا جلياً في موافقتها على القرار 2254/2015 الذي ينص في مقدمته على تحقيق الانتقال السياسي في سورية، لكن في متنه وفقرته الثامنة تحديداً يشير إلى محاربة الإرهاب، ليجعل روسيا شريكة موازية لحلف الناتو في هذا الأمر من خلال البوابة الدولية، وذلك خلافاً لحربيها سابقتَي الذكر والتي كانت بتفويض من الكرملين الروسي.

روسيا اليوم دولة هيمنة ومصالح نفعية، تتخذ من الديمقراطية نموذجاً انتخابياً لا يتعلق أبداً بجذر الديمقراطية بالحرية والتعددية والانفتاح، بقدر حفاظها على الدولة الأمنية العميقة المتحكمة بمفاصل الدولة الثلاث: الاقتصاد وخاصة الغاز وتجارة السلاح، والإعلام وسلطة القوة، والأمن المركزي وقوة العسكر الخارجية الكلاسيكية. وتترك لبقية الشعب الروسي مساحة محدودة من العملية السياسية المعارضة التي لا تمتلك المقومات المادية والإعلامية لتكون نداً لحزب بوتين الأمني المالي الحاكم. 

ويبدو هذا هو النموذج المقترح لسورية! إذ تسعى للهيمنة والاستفراد بقرارها المالي ورجال أعمالها وقواه الأمنية والعسكرية، وتترك فتاتاً سياسياً لحراك سياسي أو مدني لا يرتقي لمستوى المعارضة والند! ما يفسر جلياً تراكُض العديد من القيادات الشيوعية السابقة للارتماء مجدداً في الحضن الروسي، ودهمها لهم، رغم تيقنهم أنها ليست شيوعية بل قيصرية جيوبوليتيكية!

المعادلات الجيوبوليتيكية تتسم بعدم الثبات والتغير المرحلي. فرغم أن روسيا -ومن خلفها منظرو سياستها في نظرية رابعة سياسية، على رأسهم مركز "كاتخيون" للدراسات والمفكر العنصري ألكسندر دوغين- يدّعون أنها ذات إستراتيجية عامة، تتمثل بتكوين حلف أوراسالي يجمع أوروبا بآسيا بمركزية موسكو، في مقابل العولمة الجيوبوليتيكية الأمريكية، إلا أنها ذات سياسات تتسم بـ: 

 - التغير السريع المصلحي القصير والمرحلي، ما يفسره تحالفاتها المتعددة والمتغيرة بآنٍ في سورية وليبيا وأرمينيا. 

 - تبدُّل التحالفات الدولية بشكل جزئي واستثمار عابر للمتراكضين خلفها، والاستثمار الجيد في طرق تثبيت معادلات راهنة في السياسات النفعية لتقويض جهود المعارضات الشعبية الواسعة ضدها، وإظهارٍ صَافِقٍ أنها صديق للدول التي تغزوها عسكرياً من خلال تحالُفات كهذه، وكُثْر من السوريين مثلٌ واضح.

 - اليوم هي غير قادرة على إنتاج التحالفات الأيديولوجية طويلة الأمد كسابقتها الشيوعية، بل تريد وتسعى لتفاهمات مرحلية إقليمية تُثبت أقدامها اليوم، رغم استبطانها العداء للقائمين على تلك التحالفات، ويبدو النموذج الروسي التركي، والروسي الإيراني مجالين حيويين للمقارنة والدراسة الجيدة.

 - وأهم سماتها أنها تقوم على البُعد العسكري الكلاسيكي لفرض الهيمنة السياسية والاقتصادية، ما يثير قلقاً عالمياً حول إدارة السلم العالمي واستقراره وأمان الكوكب عامة.

 - مع أن صلب النظرية الرابعة الجيوبوليتيكية رفض الأيديولوجيات الشمولية الثلاث السابقة: الشيوعية، والليبرالية، والنازية تحت عنوان التحول لسياسة ديناميكية متحركة غير قابلة للجمود، وهذا ما تحققه الجيوبوليتيكا، لكنها بذات الوقت تعيد إنتاج العصبية الأيديولوجية، لا بطريقتها الشمولية المغلقة السابقة، بل بطريقة الغطرسة والقوة المفرطة وإثارة الاستعداء لكل الفكر البشري ومنتجه الحضاري السابق والحالي.

فهل بقي لدى روسيا إرث شيوعي أمام شواهد وأدلة حضورها العالمي اليوم؟ وهي التي تسعى وتعمل خلال 6 سنوات لليوم في سورية، بتدريب جنودها وتجريب أسلحتها الحديثة، حسب وزير دفاعها شويغو! فإن كانت أمريكا رأس العولمة والهيمنة العالمية والقطبية الوحيدة المنفردة، فحكماً لن تكون الروسبوتينية القطب المقابل والموازي لها كما كان السوفيت سابقاً، والأكثر وضوحاً أنها لن تكون نصيرة الحرية والعدالة الاجتماعية بل نصيرة الصفقات المالية والسياسية والعسكرية، فهل هذا ما يريده بقايا اليسار المنتشي بنموذج كهذا للسياسة؟ وهل يمكن للوجدان الماركسي على مستوى جيل الشباب الحالي أن يصحو من حُلمه الواهم وانخداعه بقيادته وبالقيصرية الروسية؟


أحدث المواد