د. يحيى العريضي: مزيداً من البَهْلوانيّة السياسيّة الروسيّة

د. يحيى العريضي: مزيداً من البَهْلوانيّة السياسيّة الروسيّةسوشال ميديا

برع السوفييت ومعسكرهم الشرقي في ألعاب "الجمباز"، التي تستلزم القوة والرشاقة والبَهْلوانيَّة. تصوّر مَن ورث الاتحاد السوفييتي أن ذلك يمكن سَحْبه إلى عالم السياسة؛ فأخذوا منها القوة والبَهْلوانيَّات؛ واستبدلوا القوة الخيّرة الرشيقة الجذّابة والبنّاءة في الجمباز بقوة عسكرية غاشمة في السياسة تعكس نَفَساً دكتاتورياً بغيضاً؛ وبَهلوانيَّة تخريبية تعكس غباءً مقيتاً.

لم يبدأ تدخُّل الروس في سورية نهاية 2015، كما يُشاع، وإنما منذ بداية انتفاضة الشعب السوري على دكتاتورية تشبه منظومتهم؛ حيث كانت آلة "النظام" العسكرية في حالة يُرثى لها، فأمدّهم بوتين بجسر جوي من أدوات القتل والتدمير؛ ثم عندما وجد منظومة الاستبداد على حافة السقوط، أدخل طائراته وصواريخه مباشرة تحت يافطة "محاربة الإرهاب". وكما حمى المنظومة باستخدام "الفيتو" منذ البداية، استمر بذلك النهج وصولاً إلى وضع اليد على مقدرات سورية وقرارها.

ومؤخراً يخرج علينا "لافرنتييف"، المبعوث الخاص لبوتين، بجملة من التصريحات تتجاوز البَهلوانيَّة التي عهدناها تجاه سورية حتى الآن. يريدنا - أن ندخل "الدستورية"، ولا نلمس الدستور – أن لا يكون هناك مساس في السلطة القائمة في دمشق – ألا يكون هناك اقتراب من "الرئيس" أو صلاحياته. 

وبقي أن يقول: "لا بد من الخروج في مظاهرات تهتف "بالروح بالدم". "لافرنتييف"  ذاته،  وقبله "لافروف" وجّهوا انتقادات لاذعة لأي تدخل في عمل اللجنة الدستورية؛ والآن لا يسمح لنفسه فقط بالتدخل الوقح، بل يحدد شروطاً لما على السوريين أن يفعلوه.

يوماً، وفي لقاء مع الروس، وعند الحديث عن الدستور وعمل اللجنة الدستورية؛ سمع الروس موقفاً يقارن ما يفعلونه بما فعله "بريمر" الأمريكي، عندما كتب دستوراً للعراق، وتماثُل ما يفعلونه بذاك الذي فعله بريمر؛ فاستشاطوا غضباً، ونفوا نفياً قطعياً مسألة التشابه أو المقارنة. والآن، إن لم يكن ما قاله لافرنتييف أوقح وأحقر مما فعله بريمر، فماذا يمكن أن نسميه؟!

ليس خفيّاً علينا موقف إدارة بوتين في القضية السورية. نعرف تماماً أن هاجسها الأساس الإبقاء على منظومة الاستبداد الأسدية شبيهتها في الإجرام والبهلوانية والانفصام عن الواقع. ويعيش في الذاكرة السورية - ما بقيت - استعراض هذه الإدارة وتباهيها بمئات أصناف الأسلحة التي جربتها على أرواح السوريين ومشافيهم ومدارسهم؛ ولا ينسى السوريون "فيتوهاتهم" التي حمت منظومة الاستبداد من أية إدانة دولية، ولا تغطيتهم على جرائم الكيماوي، ولا محاولاتهم الدؤوبة لإفراغ القرارات الدولية الضامنة لحق السوريين من مضمونها، والآن يبوحون بذلك علنياً، في تحدٍّ صارخ ووقاحة منقطعة النظير.

همهم الأساس ألا يحملوا صفة الاحتلال لسورية؛ وها هم -بتصريحات لافرنتييف- يثبّتون ذلك علناً. إنهم قوة احتلال؛ يمارسون الوصاية؛ ويعتقدون أنهم إذا كانوا المتصرف بقرار ومصير السلطة الحاكمة في دمشق، فسيتمكنون من التصرف بقرار ومصير شعب سورية وثورته. ليسوا فقط واهمين وبهلوانيين، ومنفصمين عن الواقع، بل يزيدون من سقوطهم في المستنقع السوري، ويزيدون من تلويث صفحتهم الإجرامية أمام العالم.

وليعلم السيد لافرنتييف وأسياده؛ وبحكم علنية تصريحه، بأن الدخول في الدستورية لم يكن لتعديلات شكلية في الدستور، بل من أجل كتابة دستور جديد يليق بسورية ويخلصها من منظومة الاستبداد وخاصة رأسها. وهناك ألف سبب وسبب لذلك. فالسوريون لا يريدون حاكماً بأمره.

يريدون تطبيقاً كاملاً وحقيقياً لبنود القرار الدولي 2254 وعلى رأس هذه البنود "هيئة حكم انتقالية" لا مكان فيها لِمَن أجرم بحق السوريين. نريد خلاصاً لسورية من كل الاحتلالات القائمة، وعلى رأسها الاحتلال الروسي.

بتصريحاته هذه، قدّم لافرنتييف للسوريين عامة ولمؤسسات المعارضة الرسمية السورية القائمة، ولكل مَن يرى تجليات الاحتلال الروسي لبلدهم، وتنسيقه مع الإسرائيليين، وسحقه لسورية قراراً وسيادةً وأرضاً ومقدرات اقتصادية ومعنوية، قدّم "فرصة ذهبية"- كما ذكر أحد الكُتّاب السوريين الأحرار- فهو عندما يدعو لعدم المساس بالدستور الأسدي القائم، وعدم الاقتراب من رأس منظومة الاستبداد، أو المسّ بصلاحياته شِبه الإلهية، ونسيان مسألة "هيئة حكم انتقالية" كما نصّت عليها القرارات الدولية؛ فإنه يترجم ما تعتقد روسيا أنها أنجزته في سورية، ألا وهو أنها انتصرت على شعب سورية وثورتها ومعارضتها، ولا بد من تحطيم هذه الأخيرة نهائياً، وأن "الدستور القائم" و"الرئيس القائم" و"القوانين القائمة" هي المرجعية حتى لتطبيق القرارات الدولية الخاصة بسورية. وكأن شيئاً لم يحدث في سورية خلال أكثر من عقد زمني؛ وهذا لا يستلزم أكثر من صمت وقبول شعب سورية وثورتها ومعارضتها ما يقوله أو يعتقده أو يتصوره السيد لافروف.

يعرف السوريون الأحرار، سيد لافرنتييف أن معركتهم في النهاية ليست مع بشار الأسد منقوص السيادة والقرار؛ إنها معكم أنتم. وها أنتم تعلنونها سياسياً على الملأ بأنكم المتصرف الاحتلالي لبلدنا، وعلى الاحتلال أن يواجه مستحقات على الصعيد الدولي وعلى صعيد البلد والشعب الذي يحتله. هذا من جانب، أما الجانب الآخر، وفي الرد على موقفكم الذي بُحْتَ به، فليكن بعلمك أن ثورة سورية وشعبها ومعارضتها تصر على الأمور التالية، وتتمترس عندها دون تردُّد أو خوف أو استكانة؛ حتى ولو تجاوبت معكم أمريكا، إذا كانت هي المقصودة بتصريحاتكم:

- إننا نصر ونعمل على تطبيق القرارات الدولية 2118  و 2254 المستندة إلى بيان جنيف وبحرفيتها، وهذا حقنا المرعي في شرعة الأمم المتحدة، والتي وقعتم عليها.

- إننا نرفض إجهاضكم للبند الأهم في تلك القرارات {وقف إطلاق النار} في عموم سورية واستبداله بما سميتموه "خفض تصعيد". أنتم أيضاً وقعتم على هذا القرار.

- إننا نصّرُ على التراتبية الموجودة في القرارات الدولية وعلى رأسها {إقامة هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات}.

- نطالب، وحسب القرارات الدولية، بإطلاق سراح المعتقلين والمختفين قسرياً، والذين تنطبق عليهم أحكام الاتفاقية الدولية للاختفاء القسري.  - وحتى يُغلَق عليك وعلى احتلالك كل طريق أو أمل بصمت أو قبول من جانب ثورة السوريين ومعارضتهم لمنظومة الاستبداد والاحتلال، سترى بأُمّ عينك تصحيحاً لمسار ثورة السوريين على أُسُس متينة بعيدة عن التشرذم والأنانية والإقصاء، قوامها سوريون يتمترسون بعقل وأمل وإرادة وفعل مؤمن بحق السوريين في تحقيق حريتهم وتقرير مصيرهم.


أحدث المواد