د. يحيى العريضي: سورية؛ الكل سيرحل وستبقين

د. يحيى العريضي: سورية؛ الكل سيرحل وستبقين

عندما يكون المرء وسط غابة، لا تسمح له كثافة الأشجار إلا برؤية محدودة؛ فتغيب تلك الرؤية الشاملة المعمَّقة الفاعلة. ومهما أُوتِيَ من قدرة على تحليل الواقع المباشر، إلا أن الكثير من الأمور تغيب عنه، فيعجز عن الإلمام بحقيقتها ومآلاتها المحتملة. ما إن يتم الخروج من الغابة، وترك العِنَان للقدرات العقلية في الاستنتاج والربط والاستقراء، معززة بفهم معمق لديناميكيات تتطور الأحداث وتفاعلاتها، وربط الأسباب بالنتائج بالمتغيرات بالظروف، حتى يتم التوصل إلى بعض الاستخلاصات والنتائج التي تلامس شَغَافَ الحقيقةِ، وربما تقترب كثيراً من كَبِدها. فلو قفزنا بالزمن إلى قادم الأيام؛ وحاولنا قراءة ما ستؤول إليه الأمور بالنسبة للسوري، فأي خريطة بشرية جغرافية سياسية سنرى؟

* بداية، ورغم كل ما نحن فيه، لن يتمكن أحد من حَمْل سورية الجغرافيا على ظهره ويهرب بها؛ ولن تتمكن قدرة في الكون من إزالة الهُوِيَّة السورية عن السوري، ولن يتمكن مجلس فقه أو إفتاء يصنعه الاحتلال الإيراني أن يجعل سورية فارسية. حتى لو أصبح ملايين السوريين مبعثرين في أربع أصقاع الأرض؛ لن تتمكّن قوة من انتزاع سوريتهم.

* كان أخطر ما واجهه السوري هو إما رضوخه لحاكمه أو نهايته، كإنسان؛ ورغم كل ما حل به، تجاوز هذا التوجه المجرم، وأضحى مَن رفع ذلك الشعار يعتمد في بقائه على قوة احتلال "إيرانية-روسية" قد أخذته رهينة، وتبيعه متى شاءت. بعد سنين سيتذكر السوري تغلُّبه على ذلك الحقد؛ وتجاوُزه سيجعله من بين الأقوى عالمياً. فكما روما تقول اليوم لنيرون: ” خَسِئْتَ“، سيقول السوري لمن رفع شعار الجريمة هذا: ”خَسِئْتَ ألف مرة".

* رغم هرولة البعض تجاه منظومة الاستبداد، قريباً سيكتشفون كم كانوا مخطئين بحق أخيهم السوري؛ وكم كان حصوله على حريته درساً لهم، ليصححوا مسارهم. لا أحد مغرم برمي حاكم عادل في مزبلة التاريخ. حرية السوري ستكون حافزاً ومحرضاً على العدل في كل الجعرافيا المحيطة.

* لن تكون بعيدة تلك اللحظة التي ستكتشف فيها إسرائيل كم كان جشعها لسفك دم السوري ودمار بلده وبالاً عليها؛ وكم كان إغلاق أبواب الفرج على السوري، خلعاً لأي باب أمان تطمح إليه؛ وكم كان كسبها المؤقت خسارة إستراتيجية جددت أبواب الكره والحقد تجاه كيان سرطاني عمل متعهداً وراعياً لقَتَلَة شعوبهم.

* ستبقى أمريكا قوة على حساب مرار شعوب الأرض، ولكنها ستكتشف كم هي بحاجة لأخلاق البقاء الصحي؛ وكم هي هشّة قِيَميّاً، وكم ستكون عرضة لاهتزازات لن تنتهي إلا بتحوُّلها إلى جزر روبوتات منفصمة ومنفصلة عن كوكبنا تقتل لتعيش أو تقتل ذاتها. مرة أخرى، لن تكون 11 أيلول إلا دعابة عابرة لا تُذكر مقارنة بالقادم الأعظم… وبيدها لا بيد عمرو.

* أما الروسي الصبور فسيستشعر طفح الكيل ويفقد كل ما خزنه في سباته الشتوي المذل على يد مافيا بوتين الذي لن يجد ومافياته ملاذاً آمِناً للاختباء من غضبة من أذلوا لسنوات. السؤال القاتل الذي يقض مضاجع بوتين من الداخل الروسي: "ماذا تفعل في سورية غير خدمة دكتاتورية تقتل شعبها؟!" لن يكرر الروس عام 1917 ، ولكن سيبعثرون أرواح مَن خنقهم على الطريقة الروسية التاريخية القيصرية، وسيحدث التفكك الجغرافي حسب ملامح الوجه وليس فقط حسب اللغة والصلاة.

* بأسرع ربما مما نتصوّر، سيعود الملالي إلى غليان الساحة الإيرانية التي اشتاقت للخلاص من الكذب والدجل وادّعاء مقاومة الشيطان الأكبر، الذي استخدمهم وباعهم وَهْمَ اتفاق نووي، وعاد ودعسه؛ وسُرْعان ما سيحوّلهم إلى ذراع تدور في فراغ التَّقِيَّة وعَدَاوة مع شعوب عربية إسلامية كانت قابلة أن تكون صديقة، فتحوَّلت إلى أهل دم. سيتجرع الملالي السموم التي يطبخون وتشتعل أياديهم وعماماتهم بالنار التي أضرموها بمحيطهم ليهربوا من احتمال تفكك ما أرادوه إمبراطورية، وسيكون التفكك بألوان وأشكال تتجاوز قوس قزح، وكل المواشير تلك التي تشبه شكل القارة (إيران) ستكون أمماً لامتحدة تأكل لحم بعضها البعض ثمن خيبتها.

* سيعود السوري إلى أرض يباب ذبحتها براميل الحقد، سيعود إلى جراح عمقها فجور الذين استرخصوا الأرواح لرخصهم. سيعود إلى بقايا أدوات بناء تركتها الطائرات ويرفع جدرانها عَبْر رفع جدران روحه حتى ولو كانت بلا غطاء؛ فما عاد السوري يحتمل السقوف. سيكون سقفه سماء الله بارتفاعها وإرادته تلك التي حملها "سيزيف".

أيها السوريون؛ منكم مَن باع روحه لمن تلوَّث بالدم فأضحى حمّال دم باختياره أو بحكم عجزه الأخلاقي أو بحكم استزلامه أو بحكم الاضطرار. لا أمل بهؤلاء. أما مَن بقي على الحياد أو مَن لا حول ولا قوة له؛ وربما يسعى للخروج من هذا الجحيم؛ فلهؤلاء ولكل مَن خرج على الظلم ودوَّى صوته وفعله من أجل الحرية ودولة كل مواطنيها المدنية السيدة؛ صبراً جميلاً، فإيران ستعود إلى داخلها المهشم في بلاد فارس وتنشغل بنفسها؛ وحزب الله أداة كعلبة كبريت سيرميها مستخدمها بعد تحقيق أغراضه، وستغادر، تماماً كما "داعش" الوباء القاتل الزائل بإرادة مستخدميه متى أشبعوا ما بهم من شيطنة، والمهرولون سُرْعان ما سيبدأ رجيفهم واكتشافهم لحقيقة ما يفعلون، وإمارة الحرب في المهاجرين، التي لم ترَ يوماً حتى بمَن وَالَاها إلا وَقوداً لاستمرار سيادتها، فمصيرها النُّفوق أو "لاهاي". الكل سيذهب، ولن يبقى للغد في أرض الشام إلا أهلُها الحقيقيون. هم مَن سيعود، ويُعمِّرها روحاً وجسداً.


أحدث المواد