د. يحيى العريضي: السوريون مختلفون؛ متى نستيقظ؟

د. يحيى العريضي: السوريون مختلفون؛ متى نستيقظ؟

بعد "الانفصال" بين سورية ومصر، في بداية ستينيات القرن الماضي، أطلق أحد أصحاب العقول والقلوب الكبيرة عبارة شهيرة: "السوريون مختلفون". عندها، لم يكن الخطر، على سورية وأهلها، أو حتى على بقائها، مسألة وجودية، كما هو اليوم. اليوم، السوريون مختلفون في كل شيء، وعلى كل شيء، وحول كل شيء؛ وحالهم وبلدهم في الحضيض؛ وآخِر هموم العالم حياتهم وحياة بلدهم.

لن أتعمق في بحث الأسباب؛ فقد أضحى ذلك بيّناً للعِيان؛ ولن يولِّد الغوص فيه إلا مزيداً من تعميق الجراح، وتعقيد ما يمكن ترميمه، كي يعودوا وبلدهم إلى سكة الحياة. سأنظر في أوجه الاختلاف، في مواضيعه، وفي زوايا الرؤية، وفي البحث عن طرق للحد أو التخفيف من الفجوات بينهم؛ علّنا نصل إلى قناعة، بأنه لا ينقذ بلدَنا إلا قلوبُنا وعقولُنا وإرادتُنا وعملُنا المشترك.

هناك - الخلاف الكلّي في مواضع، والنسبي تجاه أخرى؛ وهناك قضايا لا خلاف عليها بينهم كيفما وأينما كانت أو تموضعت زوايا رؤيتهم. أرى أنه إذا جعلنا من الصنف الثالث (أي النقاط التي لا خلاف عليها) أهدافاً لا بد من تعزيزها والبناء عليها؛ ومن النقاط التي عليها اختلاف نسبي، قضايا لا بد من التركيز عليها بحثاً وتفكيراً وتمحيصاً، لإجلاء غيومها وكدرها وتدرناتها المصطنعة؛ ومن تأجيل نقاط الخلاف الكلي إلى لحظة قوة السوري، وتسلحه بمزيد من نقاط التفاهم؛ وبذا نكون قد ساهمنا بعودتنا جميعاً وبلدنا إلى الحياة.

لا يختلف سوري على أنه لا قيمة للإنسان بلا كرامة، وأن الوطن جزء أساسي من كرامة الإنسان؛ وأن سجن السوري ليس وطناً، ولا المقبرة وطناً، ولا الفقر والمخدرات وطناً؛ ولا تركيا أو لبنان أو الأردن أو أوروبا وطناً للسوري.

ما من سوري يريد أن يرى مَن يتحكم بقرار الموت والحياة والسيادة في سورية منظومة مستبدة قاتلة، ولا أن يرى مَن يحدد مصيره سعودياً أو تركياً أو إيرانياً أو قطرياً أو أفغانياً أو أمريكياً أو روسياً أو لبنانياً أو عراقياً أو أوروبياً. وبالتأكيد- حتى الموالون للعظم لبشار الأسد- لا يريدون أن يكون "سيدهم" ومَن حوله مجرمي حرب يُساقون إلى المحاكم الدولية، لأنهم رأوا أن بقاءهم يستلزم إلغاء الآخر. ليس هناك من سوري لا يتمنى أن يتحرك بحرية وأمان في كل بقعة من أرض سورية.

يختلف السوريون في موقفهم تجاه الخارجي الذي تدخل في سورية؛ تتناقض سردياتهم تجاه الآخر تناقضاً مطلقاً: بعضهم يرى في تدخُّل "حزب الله" مهمة مقدسة كجزء من "المقاومة والممانعة" للوقوف في وجه "المؤامرة الصهيونية التركية الأمريكية الخليجية"، التي تستهدف "النظام المقاوم والممانع"، الذي يقف في وجه إسرائيل؛ وهذا الفريق يرى في التدخل الإيراني والروسي منقذاً. وفي الضفة الأخرى هناك من يرى أن كل تلك التدخلات لحزب الله وإيران وروسيا كانت من أجل الحفاظ على "نظام" قاتل مستبد، لا يقبل أن يكون السوري إلا خاضعاً.

يختلف السوريون وينقسمون إلى ضفتين متناقضتين تجاه معالجة ما حدث وأسبابه وطرق معالجته. قلائل في ضفة النظام أو مع سرديته من يقبل بأن النهج العنفي الذي اختطه النظام لنفسه في ردع وقمع الحراك السوري السلمي في أوله مناسباً؛ لقد كان مبرمجاً، لأن النظام في عقيدته الأساسية مبني على المواجهة الدموية مع أي تحدٍ داخلي يواجهه.

ولا أحد من هؤلاء يقبل بأنه لم يكن هناك مؤامرة سعودية -تركية صهيونية- أمريكية على ضرب سورية؛ فهكذا سوّقت آلة وأبواق الاستبداد. لقد كثّف النظام حال من يقاومه بمقولة "الإرهاب"، وساق بها لتلتقي مع الهاجس العالمي من الإرهاب، اشترى هؤلاء البعض المقولة، وساقوا بها وكأنها منزّلة. كان ذلك بالنسبة لهم وصفة إعجازية سحرية، دفعت العالم للاختيار بين "نظام سيدهم" و"الإرهاب". تلك المواقف وتلك السرديات أضحت صخوراً متكلسة يصعب تفكيكها. إن ركز السوريون على الخوض في هذه المسائل، فلن يصلوا إلى أية حلول داخلية؛ بل سيزداد الشرخ، وستكون شرذمة بلدهم تتم بيدهم لا بيد أحد.

من هنا لا بد من الارتحال قليلاً نحو ضفة الآخر. هناك مَن هم بين الضفتين. ويُطلق عليهم صفة الرماديين. لا ينجو هؤلاء من تقريع سكان الضفتين.

من هنا، لا بد بعد محاولة تقريب الضفاف من بعضها بعضاً، أن يتم التركيز على ما لا خلاف عليه. لا يأتينا الروس محتلين، لو لم يكن هناك إرادة وإصرار عند صاحب التمسك بكرسي الدم، حتى لو زالت سورية؛ وهذا لا مصلحة لأحد به. ولا يتراخى الأمريكيون الطامعون بإِضعاف بلدنا من أجل إسرائيل مع الروس، لو لم يكونوا على ثقة بأن الروس سيقومون بما يتمنى الأمريكيون أنفسهم القيام به، لو لم يتبرع الروس، لأغراضهم وغاياتهم، بالقيام به. وما إيران مغرمة بأمننا والحفاظ على أرواحنا أمام مطامحها بنشر أفكار ما تسميه "الثورة الإسلامية". ولا تركيا مغرمة بالسوريين لتقف هذا الموقف؛ فأمنها القومي فوق كل اعتبار لحياة أي سوري.

وما بعض الدول العربية بذاك الإيثار تجاه حياة سورية وأهلها لتقف هذه المواقف منّا؛ وربما هاجسها الأساس إعطاء دروس لشعوبها، وجعلنا مُثلةً يُتَّعظُ بها. هل فكّرنا بتلك الحنيَّة الإسرائيلية على جرحى الثوار ليأتي يوماً نتنياهو، ويعودهم في مشافي إسرائيلية، أُسعفوا إليها؟ هل فكرنا بكَمْ كان فاعلاً بالنسبة لإسرائيل ذلك الشعار الوحشي الذي أطلقه النظام: "أحكمها أو أدمرها"؟ مَن هو الأسد ليكون "هو" أو "سورية"؟!

هل فكر مَن هم على ضفة النظام بأنه من المستحيل أن يكون إنسان أغلى من ثلاثة وعشرين مليون إنسان، وبلد بظهرهم؟ متى كانت ثُلّة لا يتجاوز عددها المئة، معظمها قاصر معرفياً وحتى أخلاقياً، لتكون البلد، أو لتنطق باسم مَن نشدوا الحرية ووقف الاستبداد والدكتاتورية؟! كما التونسي أو الليبي أو أي قاعدي أتى ليقيم مملكة الله في سورية، لا مكان له فيها؛ لا مكان لميليشيات حزب الله وإيران وطائرات بوتين التي دمرت مدارسنا ومشافينا. 

لا منطقة رمادية في سورية، ولا محايدة تجاه القتل والدمار من أي جهة كانت، وخاصة من طائرات ومدافع وصواريخ دفع السوريون دمهم ودموعهم لشرائها لاسترداد حقوقهم المغتصبة من قِبل إسرائيل.

لا يحق لنظام أن يوقع على صك استسلام لبوتين كي يبقيه في السلطة. بوتين لن ينجي النظام ولا الموالاة. ونلاحظ أن مجرد انحسار تغطيته الجوية يكون الاندحار والهزيمة أمام الجهة الأخرى؛ ومثال الجنوب واضح للعِيان. السوري الذي تهمه كرامته ووطنه وعودتهم إلى الحياة، لا يريد كل هؤلاء.

السوريون مختلفون؛ صح، ولكن لا بُدّ مما يجمعهم، ولا بد لعقولهم وإرادتهم وحبهم لسورية أن تكون أقوى مما يفرقهم. لو كان بشار الأسد ومَن يختبئ في ظلاله قابلين للبقاء، بعد كل ما حدث، ليبقوا؛ ولو لم يكون استمرارهم ليس إلا استمراراً للنزف السوري ومصدراً للعار، ليبقوا؛ ولو لم يكن هاجسهم الوحيد السلطة، حتى ولو على جماجم السوريين ولو عمَّ الدمار تنفيذاً لشعارهم، "نحن أو الدمار"، ليبقوا. بقدر خلافاتهم وتباعدهم، وبقدر الدم والدمار؛ السوريون يمتلكون من الصفح والسماح والقدرة على التفكير بسمو أمام الهدف الأكبر [عودة سورية وأهلها إلى الحياة الكريمة] ليقولوا كلمتهم، وليوقفوا كل قول؛ ولنتخلّص معاً ممن ظلمنا وقتلنا معاً.


أحدث المواد