د. يحيى العريضي: أمريكا وإيران.. الأمس واليوم (1)

تجاوز عُمْرُ حكم الملالي لإيران الأربعة عقود، ولا تزال العلاقة “الأمرو- إيرانية” تحمل الكثير من الألغاز والطلاسم. قديمة هي العلاقة بين البلدين؛ إنها بقِدَمِ امتداد ذراع “العم سام” خارج اليابسة الأمريكية، حيث تعود إلى فترة اكتشاف النفط في إيران، وإزاحة اليد الإنكليزية عنه، مروراً بمحاربة النمو الشيوعي في ذلك البلد؛ إلى استدعاء رئيس الوزراء مُصدّق، ثم القضاء عليه؛ إلى العودة لتعزيز الشاه وتدجيجه بالسلاح، وجعل”السافاك” الأقوى داخلياً وإقليمياً؛ إلى احتلال إيران موقع منافس لدى الإدارات الأمريكية، التي جعلت من إيران خط الدفاع والهجوم الأول في وجه السوفييت؛ وصولاً إلى التأسيس لـ “العدو الجديد” (الإسلام) عند بَدْء أفول نجم العدو الشيوعي نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات؛ إلى لقاء “برجينسكي” وغيره من صنّاع السياسة الأمريكية بالمَنْفِيّ في فرنسا “الخميني”، وأَخْذ التعهد منه بصيانة المصالح الأمريكية بعد الشاه مع إدخاله إلى إيران، وإنهاء الشاه.

ذلك التأسيس بين البلدين جعل الكثير من المؤسسات الأمريكية الأكاديمية أو الاقتصادية تحفل بكوادر أوفدهم الشاه، وآخرون ذهبوا كمستثمرين ليشكلوا قوى ضغط بكل الاتجاهات في الساحة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو التديُّنية الأمريكية. تجاه ذلك، وفي سياقه، لم تكن إسرائيل و”لوبياتها” غائبة عن المشهد، لتتطور علاقة لا نعلم خباياها بين إسرائيل وإيران في الساحة الأمريكية ذاتها؛ ولكننا نعرف أن أكبر “الحاخامات” في إسرائيل يستشير ويطلب رضا حاخامات إيران.

قبل قيام ما سُمّي بـ “الثورة الإسلامية”، كانت مراهنات السياسة الأمريكية على إيران الشاه كرأس حربة لها في المنطقة؛ إلا أن العلاقة مرّت بكل الأنواء مدّاً وجزراً بعد ذلك؛ فبدأت عام تسعة وسبعين من القرن الماضي حقبة جديدة تحكمها “التقيَّة” الإيرانية، و “البراغماتية” الأمريكية. فمن احتلال السفارة الأمريكية في استهلال عهد “الخميني”، وتخييب “جيمي كارتر”، والمساهمة بسقوطه عام ثمانين، والترتيب مع “ريغن” كمنافس له لإطلاق سراح 444 أمريكياً احتجزهم حرس الخميني الثوري، أُطلِقَ سراحهم كهدية للرئيس الجديد “ريغن” عربون التنسيق مع إدارته في شراء الأسلحة لحرب الخميني مع العراق، ولتزويد CIA “ريغن” بالدعم المادي الذي احتاجه للـ “كونترا” (ما عُرِف بـ “فضيحة الكونترا contra-gate)؛ إلى ضرب “المارينز” الأمريكيين 1982 في بيروت، وتأسيس “حزب الله”، ومنها إلى تقويض الوضع السوفييتي في أفغانستان، لتكون طهران المضيف الأساسي لتنظيم القاعدة؛ ومن ثَم إلى حرب أمريكا في أفغانستان، ولعب إيران بموجب “التقية”، وفتحها على حسابها، لتستشيط أمريكا منها غضباً، وتجعل “الخميني” يتجرع كأس سمّ إنهاء الحرب “العراقية – الإيرانية”، بعد أن كانت وإسرائيل قد زادتا في أُوَارها، حتى وصل البلدان إلى ما وصلا إليه. تبع ذلك بالطبع احتلال العراق للكويت، واحتلال أمريكا للعراق؛ وكانت إيران كالضبع بانتظار الانقضاض على الفريسة، التي كانت أمريكا تمصّ خيرها، وتتركها له، أكان ذلك في أفغانستان أم في العراق.

كل ذلك ساهم باستمرار حالة المدّ والجزر في العلاقة، وفي “العداء” بين أمريكا وإيران الخمينية. فلا تسمع في الخطاب الإيراني إلا “الشيطان الأكبر” و “الاستكبار الأمريكي”، الذي ساعد الملالي على ضرب عرض الحائط بالوضع الداخلي وحاجاته، وحُكْمِه بالحديد والنار والقمع والعَوَز. لقد شكّل “العداء لأمريكا” إستراتيجية لجمهورية الملالي الإسلامية. فباسم هذا العداء حكموا وتحكّموا؛ وتحت يافطتها قادت إيران ما درج على تسميته بـ “جبهة المقاومة والممانعة”.

كل ذلك وصولاً إلى 2010 و2011؛ فمع انطلاقة ما سُمِي بالربيع العربي، وما سمّته إيران بدايةً “النهوض الإسلامي/the Islamic Rise (ربما لأسباب تكشفت لاحقاً بسيطرة “محاربة الإرهاب” على كل شيء)؛ فبالنسبة لإيران بقيت التسمية مُعتمَدة إلى أن قام الحراك في سورية؛ فأصبح حسب تقيَّتها ليس “نهوضاً إسلامياً” بل “إرهاباً”؛ وإن أراد الآخرون تسميته بالإرهاب الإسلامي، فيكون “إرهاباً سُنيّاً” حصراً؛ ودليلها الذي يشاركها فيه العالم “داعش”؛ رغم أن إيران الملالي هي أحد مصادره ومغذّيته الأساسية.

علاقة إيران بأمريكا شهدت عصرها الذهبي في عهد الرئيس الأمريكي “أوباما”. في عهده، وقّعت إيران اتفاقها النووي؛ تلقت مليارات الدولارات، اسْتَشْرَسَتْ، وفلتت في محيطها إلى درجة بدأ الروس والأوروبيون يطلبون ودّها. وكان كل ذلك إلى أن أتت انتكاستها برحيل “أوباما”، الذي تشعر أحياناً بأنه أحد الملالي، وقدوم “ترامب” الذي سعى إلى مسح تلك الحقبة الأمريكية من التاريخ الأمريكي، وتحديداً ذلك الوضع المشبوه مع إيران؛ فكان أن ألغى الاتفاق النووي، وقدّم جملة من الشروط التي تشوّه، أو حتى تُلغي “الهَيْبَة” التي طالما عاش عليها الملالي كل هذه السنين؛ حيث حُظِر على أي دولة أو مؤسسة أن تشتري نفط الملالي، الذي يعيشون عليه حصراً، ويتحكمون تخريباً بمحيطهم.

أتى بايدن واستشعر الملالي الانفراج؛ فهو ليس إلا نسخةً بلا حبر عن أوباما وامتداداً باهتاً له؛ وخاصة تجاه إيران. عادت المفاوضات على الملفّ النووي، تعسرت، انفرجت، تبخرت الشروط. وفي إيران يحدث تغيير في الوجوه؛ يذهب بعض مَن لعبوا دور الاعتدال، ويأتي الحرس الثوري صراحة وعلنياً إلى الرئاسة والخارجية.

• في الجزء الثاني: حاضر العلاقة “الأمرو- إيرانية” وآفاقها المستقبلية.

د. يحيى العريضي: أمريكا وإيران.. الأمس واليوم (1)

تجاوز عُمْرُ حكم الملالي لإيران الأربعة عقود، ولا تزال العلاقة “الأمرو- إيرانية” تحمل الكثير من الألغاز والطلاسم. قديمة هي العلاقة بين البلدين؛ إنها بقِدَمِ امتداد ذراع “العم سام” خارج اليابسة الأمريكية، حيث تعود إلى فترة اكتشاف النفط في إيران، وإزاحة اليد الإنكليزية عنه، مروراً بمحاربة النمو الشيوعي في ذلك البلد؛ إلى استدعاء رئيس الوزراء مُصدّق، ثم القضاء عليه؛ إلى العودة لتعزيز الشاه وتدجيجه بالسلاح، وجعل”السافاك” الأقوى داخلياً وإقليمياً؛ إلى احتلال إيران موقع منافس لدى الإدارات الأمريكية، التي جعلت من إيران خط الدفاع والهجوم الأول في وجه السوفييت؛ وصولاً إلى التأسيس لـ “العدو الجديد” (الإسلام) عند بَدْء أفول نجم العدو الشيوعي نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات؛ إلى لقاء “برجينسكي” وغيره من صنّاع السياسة الأمريكية بالمَنْفِيّ في فرنسا “الخميني”، وأَخْذ التعهد منه بصيانة المصالح الأمريكية بعد الشاه مع إدخاله إلى إيران، وإنهاء الشاه.

ذلك التأسيس بين البلدين جعل الكثير من المؤسسات الأمريكية الأكاديمية أو الاقتصادية تحفل بكوادر أوفدهم الشاه، وآخرون ذهبوا كمستثمرين ليشكلوا قوى ضغط بكل الاتجاهات في الساحة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو التديُّنية الأمريكية. تجاه ذلك، وفي سياقه، لم تكن إسرائيل و”لوبياتها” غائبة عن المشهد، لتتطور علاقة لا نعلم خباياها بين إسرائيل وإيران في الساحة الأمريكية ذاتها؛ ولكننا نعرف أن أكبر “الحاخامات” في إسرائيل يستشير ويطلب رضا حاخامات إيران.

قبل قيام ما سُمّي بـ “الثورة الإسلامية”، كانت مراهنات السياسة الأمريكية على إيران الشاه كرأس حربة لها في المنطقة؛ إلا أن العلاقة مرّت بكل الأنواء مدّاً وجزراً بعد ذلك؛ فبدأت عام تسعة وسبعين من القرن الماضي حقبة جديدة تحكمها “التقيَّة” الإيرانية، و “البراغماتية” الأمريكية. فمن احتلال السفارة الأمريكية في استهلال عهد “الخميني”، وتخييب “جيمي كارتر”، والمساهمة بسقوطه عام ثمانين، والترتيب مع “ريغن” كمنافس له لإطلاق سراح 444 أمريكياً احتجزهم حرس الخميني الثوري، أُطلِقَ سراحهم كهدية للرئيس الجديد “ريغن” عربون التنسيق مع إدارته في شراء الأسلحة لحرب الخميني مع العراق، ولتزويد CIA “ريغن” بالدعم المادي الذي احتاجه للـ “كونترا” (ما عُرِف بـ “فضيحة الكونترا contra-gate)؛ إلى ضرب “المارينز” الأمريكيين 1982 في بيروت، وتأسيس “حزب الله”، ومنها إلى تقويض الوضع السوفييتي في أفغانستان، لتكون طهران المضيف الأساسي لتنظيم القاعدة؛ ومن ثَم إلى حرب أمريكا في أفغانستان، ولعب إيران بموجب “التقية”، وفتحها على حسابها، لتستشيط أمريكا منها غضباً، وتجعل “الخميني” يتجرع كأس سمّ إنهاء الحرب “العراقية – الإيرانية”، بعد أن كانت وإسرائيل قد زادتا في أُوَارها، حتى وصل البلدان إلى ما وصلا إليه. تبع ذلك بالطبع احتلال العراق للكويت، واحتلال أمريكا للعراق؛ وكانت إيران كالضبع بانتظار الانقضاض على الفريسة، التي كانت أمريكا تمصّ خيرها، وتتركها له، أكان ذلك في أفغانستان أم في العراق.

كل ذلك ساهم باستمرار حالة المدّ والجزر في العلاقة، وفي “العداء” بين أمريكا وإيران الخمينية. فلا تسمع في الخطاب الإيراني إلا “الشيطان الأكبر” و “الاستكبار الأمريكي”، الذي ساعد الملالي على ضرب عرض الحائط بالوضع الداخلي وحاجاته، وحُكْمِه بالحديد والنار والقمع والعَوَز. لقد شكّل “العداء لأمريكا” إستراتيجية لجمهورية الملالي الإسلامية. فباسم هذا العداء حكموا وتحكّموا؛ وتحت يافطتها قادت إيران ما درج على تسميته بـ “جبهة المقاومة والممانعة”.

كل ذلك وصولاً إلى 2010 و2011؛ فمع انطلاقة ما سُمِي بالربيع العربي، وما سمّته إيران بدايةً “النهوض الإسلامي/the Islamic Rise (ربما لأسباب تكشفت لاحقاً بسيطرة “محاربة الإرهاب” على كل شيء)؛ فبالنسبة لإيران بقيت التسمية مُعتمَدة إلى أن قام الحراك في سورية؛ فأصبح حسب تقيَّتها ليس “نهوضاً إسلامياً” بل “إرهاباً”؛ وإن أراد الآخرون تسميته بالإرهاب الإسلامي، فيكون “إرهاباً سُنيّاً” حصراً؛ ودليلها الذي يشاركها فيه العالم “داعش”؛ رغم أن إيران الملالي هي أحد مصادره ومغذّيته الأساسية.

علاقة إيران بأمريكا شهدت عصرها الذهبي في عهد الرئيس الأمريكي “أوباما”. في عهده، وقّعت إيران اتفاقها النووي؛ تلقت مليارات الدولارات، اسْتَشْرَسَتْ، وفلتت في محيطها إلى درجة بدأ الروس والأوروبيون يطلبون ودّها. وكان كل ذلك إلى أن أتت انتكاستها برحيل “أوباما”، الذي تشعر أحياناً بأنه أحد الملالي، وقدوم “ترامب” الذي سعى إلى مسح تلك الحقبة الأمريكية من التاريخ الأمريكي، وتحديداً ذلك الوضع المشبوه مع إيران؛ فكان أن ألغى الاتفاق النووي، وقدّم جملة من الشروط التي تشوّه، أو حتى تُلغي “الهَيْبَة” التي طالما عاش عليها الملالي كل هذه السنين؛ حيث حُظِر على أي دولة أو مؤسسة أن تشتري نفط الملالي، الذي يعيشون عليه حصراً، ويتحكمون تخريباً بمحيطهم.

أتى بايدن واستشعر الملالي الانفراج؛ فهو ليس إلا نسخةً بلا حبر عن أوباما وامتداداً باهتاً له؛ وخاصة تجاه إيران. عادت المفاوضات على الملفّ النووي، تعسرت، انفرجت، تبخرت الشروط. وفي إيران يحدث تغيير في الوجوه؛ يذهب بعض مَن لعبوا دور الاعتدال، ويأتي الحرس الثوري صراحة وعلنياً إلى الرئاسة والخارجية.

• في الجزء الثاني: حاضر العلاقة “الأمرو- إيرانية” وآفاقها المستقبلية.

من الممكن أن يعجبك

وفيات وعشرات الإصابات بانفجار صهريج غاز سام في الأردن

وفيات وعشرات الإصابات بانفجار صهريج غاز سام في الأردن

نداء بوست -محمد جميل خضر- عمّان أعلن الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام الأردني عن وقوع حادثة سقوط لصهريج معبأ ...

العراق.. مهرجان ثقافي في أربعينية مظفر النواب بمشاركة أدباء وفنانين عرب

العراق.. مهرجان ثقافي في أربعينية مظفر النواب بمشاركة أدباء وفنانين عرب

"نداء بوست"- عواد علي- بغداد لمناسبة أربعينية الشاعر الراحل مظفر النواب، تقيم "دار بابل للثقافات والفنون والإعلام" في مدينة "الحلة"، ...

ميقاتي ينهي اليوم الأول من الاستشارات النيابية غير الملزمة

ميقاتي ينهي اليوم الأول من الاستشارات النيابية غير الملزمة

نداء بوست -ريحانة نجم- بيروت أنهى الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة في لبنان نجيب ميقاتي اليوم الأول من الاستشارات النيابية غير ...

المهندس أحمد العسراوي لـ “نداء بوست”: السوريون بحاجة لإنتاج حلٍ سياسي يفضي إلى التغيير الديمقراطي

المهندس أحمد العسراوي لـ “نداء بوست”: السوريون بحاجة لإنتاج حلٍ سياسي يفضي إلى التغيير الديمقراطي

نداء بوست-حوارات سياسية-أسامة آغي أمور كثيرة تضغط باتجاه حلٍ سياسي للصراع في سورية، منها التغيرات السياسية والتحالفات نتيجة الحرب الروسية ...

إصابتان جرّاء قصف قوات الأسد ريف حلب الشرقي

إصابتان جرّاء قصف قوات الأسد ريف حلب الشرقي

نداء بوست- أخبار سورية- حلب أُصيبت طفلة ووالدتها إصابات حَرِجة، فجر اليوم الإثنين إثر قصف صاروخي مصدره قوات الأسد و"قسد"، ...

د. يحيى العريضي

د. يحيى العريضي

عميد كلية الإعلام الأسبق - سياسي وإعلامي سوري

نداء بوست

موقع نداء بوست منصّة إخبارية سياسية ثقافية اجتماعية اقتصادية منوّعة