د. رياض نعسان آغا: امتحان الإسلام في خُطط برنارد لويس

د. رياض نعسان آغا: امتحان الإسلام في خُطط برنارد لويس

اهتمت الثقافة العربية بكل ما كتب المستشرق "البريطاني – الأمريكي" برنارد لويس، ولكنها لم تصل إلى سوية اهتمامه بها، فقد أنفق أكثر من سبعين عاماً من عمره المديد متفرغاً لدراسة الثقافة العربية ولفهم الإسلام، وأحسب أن دوافعه لم تكن محبة بالعلم والمعرفة، وإنما كانت بهدف توظيف معرفته وثقافته في خطة هدم الثقافة العربية الإسلامية، ووضع الخطط لتقسيم وتمزيق العالم العربي والإسلامي، وأنا لا أتهم الرجل متأثراً بموقف الأغلبية من المثقفين العرب فحسب، وإنما أتهمه بما اعترف به بنفسه حين أعلن في كثير من كتاباته ومحاضراته أن (العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم، والحل في التعامل معهم هو احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية) ولن ننسى أن الرجل بدأ حياته العملية موظفاً في المخابرات البريطانية أيام الحرب العالمية الثانية. 

وحين اختلط لويس بالعرب بعد أن أمضى أربعين عاماً يراقبهم عن بُعد، لطّف لهجته، وقال في كتابه (اكتشاف المسلمين أوروبا) الذي صدر عام 1982 (إن التخلف العربي بدأ في القرن الحادي عشر الميلادي، ويعود سبب هذا التخلف إلى الثقافة والدين) وأعلن لويس أن المجتمعات الإسلامية لا تستطيع مواكبة الغرب؛ لأن الإسلام غير قابل للتغيير، والمفارقة أن ينسى المؤرخ الشهير أن الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر كانت عدواناً أوروبياً ضخماً على العرب والمسلمين، وقد امتدت أربعة قرون ونيفاً، وهي التي أضعفت الأمة الإسلامية ومزقتها، لكن الأمة سرعان ما نهضت وانتصرت على الصليبيين، وكان ظهور دول السلاجقة والأيوبيين والمماليك المسلمين وبروز قادة كبار نذكر منهم عماد الدين زنكي ونور الدين وصلاح الدين وشجر الدر وقطز وبيبرس ثم ظهور قادة كبار عند المسلمين الأتراك من طراز أرطغرل وسليم الأول وسليمان القانوني ومحمد فاتح القسطنطينية (1453م) كان رداً على العدوان ونهوضاً جديداً للأمة الإسلامية دام حتى مطلع القرن العشرين، بغض النظر عن الاختلاف الفكري والثقافي في تقويم هذه المراحل، بين معجب بها وكاره. 

وفي التعريف ببرنارد لويس نذكر أنه وُلد في لندن في 16 مايو 1916 لأبوين يهودييْنِ، وتُوفي في 31 مايو 2018، وقد درس في كلية الدراسات الشرقية، واهتم بالتاريخ الإسلامي، ويقول: إنه بدأ بدراسة التاريخ هواية ثم صار اهتمامه هوساً ثم مهنة، وقد درس القانون وكاد أن يكون محامياً، لكن حبه للتاريخ جعله يختار التدريس في كلية الدراسات الشرقية، ولا سيما بعد أن أكمل دراسته للسامية على أستاذه المستشرق لويس ماسنغنون، وحين بلغ من عمره السابعة والخمسين انتقل إلى الولايات المتحدة وتم قبوله عام 1974 أستاذاً في جامعة "برنستن" في "نيوجرسي"، حيث بدأ حقبة جديدة من حياته، وحمل الجنسية الأمريكية، وكان محاضراً متخصصاً في تاريخ الإمبراطورية العثمانية وقد درسه بعمق بعد أن سمحت تركيا بفتح السجل العثماني للباحثين الأوروبيين.

وقد أُتيحَ لي أن ألتقي ببرنارد لويس وأن أستمع لمحاضرتين له، ألقى أولاهما في جامع "السلطان قابوس" في مسقط عام 2003 وكنت يومها سفيراً لسورية في سلطنة عمان، ومما رسخ في ذاكرتي مما قال، حديثه عن اختلاف يراه بين العرب والغرب في فهم التاريخ، فالغرب يرى التاريخ حدثاً انتهى، بينما يراه العرب حاضراً، وقد فهمت من حديثه أنه يريد أن يقطع العرب كل صلة لهم بماضيهم، وأن يبدؤوا عصراً جديداً يبنونه في ظل الحداثة الأوروبية التي تنادي بالقطيعة المطلقة مع الماضي، وقد علقت على ذلك في نهاية المحاضرة ثم كتبت رأيي في صحيفة الوطن العمانية التي كنت أكتب فيها كل ثلاثاء، وأوضحت أن من حق الغرب أن يقطعوا ما بينهم وبين عصور التخلف التي عاشوا فيها حتى عصر نهضتهم، فليس فيها ما ينبغي الحفاظ عليه، وأما المسيحية فهي شرقية الولادة قبل أن تكون عالمية، وحَسْب الشرق ومَن فيه من المسيحيين والمسلمين أن يحفظوها وأن يحفظوا اليهودية معها، فهذه الأديان السماوية رصيد الكنز الشرقي الأخلاقي، والمفارقة أن برنارد يعترف في موضع آخر بأن هذه الأديان السماوية رسائل أخلاقية.

وقد أُتيحَ لي أن أشارك في العديد من المؤتمرات الثقافية الدولية التي كانت تناقش الاتحاد والشراكة عبر المتوسط، والمؤتمرات التي ناقشت حوار الحضارات حين طرحنا هذا العنوان بديلاً عن دعوة برنارد لويس إلى صراع الحضارات، حيث كان برنارد لويس أول مَن استخدم هذا التعبير (صراع الحضارات) في اجتماع رسمي في واشنطن عام 1957 ، وورد ذلك في محضر الاجتماع، وهو بذلك أسس لما سيعلنه صموئيل هنتغتون مطلع التسعينيات، وكانت مؤتمراتنا الدولية بعد جريمة 11 سبتمبر تناقش هذه القضايا بحضور عدد كبير من وزراء الثقافة العرب ووزراء الاتحاد الأوروبي، وكان كبار المثقفين الأوروبيين يطالبون بإعادة الاعتبار لأمرين مهمين يرونهما أساساً للثقافة الأوروبية، وهما الثقافة اليونانية الإغريقية والمسيحية، وكان ذلك على ما أفهم رداً على التطرف في الدعوة الحداثية المسرفة التي تدعو للقطيعة المطلقة.

وللإنصاف لا بد لي من أذكر أن برنارد ذكر في محاضرته في "مسقط" ما يمكن أن أعتبره مجاملة لطيفة للإسلام (وهو بالطبع يتحدث في بلد إسلامي) وهو حديثُه عن إمكانية أن يقدم الإسلام خطوات تدريجية نحو الديمقراطية، مشيراً إلى نظام الشورى فيه، وإلى كون الإسلام يطلب من المسلمين ألا يطيعوا الحاكم في معصية الخالق، وقد طالب برنارد بالإسراع بخطوات ديمقراطية (على جرعات خفيفة) محذِّراً من أن يأتي يوم تفرض فيه الديمقراطية. 

لقد اعتبرت هذا الحديث مجاملاً لأن برنارد يتهم الإسلام في غير موضع بأنه يعلِّم أتباعه الخضوع للدولة وللحاكم، والعجب أن يقول ذلك وهو يرى التاريخ الإسلامي مليئاً بالثورات من أجل الحرية التي هي جوهر الإسلام، ولربما كان يقصد نهج بعض المذاهب الإسلامية التي لا تجيز الخروج على الحاكم المستبد إلا إذا أعلن الكفر الصريح، شرط أن تكون للمؤمنين شوكة تنجيهم من مخاطر الفتنة التي قد تستأصل شَأْفَتهم. وللحديث صلة.


أحدث المواد