د. رياض نعسان آغا: امتحان الإسلام بين الأصولية والحداثة 4

د. رياض نعسان آغا: امتحان الإسلام بين الأصولية والحداثة 4مصدر الصورة: سوشال ميديا

جاء أول امتحان للإسلام أمام أسئلة الفلسفة مبكراً، ففي عهد الخليفة عمر رضي الله عنه، ظهرت مدرسة البصرة الفكرية، وكان إمامها الحسن البصري، وكان من تلامذته واصل بن عطاء، الذي اعتزل أستاذه منادياً بتقديم العقل على النقل، وأنشأ ما عرف في تاريخنا باسم (المعتزلة) وهم الذين أسسوا المدرسة العقلانية في الإسلام، وقد شغلت هذه المدرسة الفكر الإسلامي وما تزال تشغله.

لكن العقلانية الإسلامية ذاتها وقفت محرجة أمام مفاهيم الحداثة المعاصرة التي وصلت ذروتها مع (نيتشه) الذي أعلن (أن الحداثة هي تمزيق العالم المقدس الذي كان إلهياً وطبيعياً) ومن المعلوم أن نيتشه أقام رؤيته على فكرة (موت الإله) ودعا إلى تسليم القوة والإرادة كلها إلى الإنسان، حتى سمي (فيلسوف الإنسان الأعلى).

ولقد تَواضَعَ كثير من المفكرين العرب على تعريف للحداثة بأنها (صِدام مع النقل وإبراز للعقل) لكن هذا التعريف ذاته خضع للتحديث حين اتَّسع الفكر الحداثي في الفلسفة الإسلامية، وبقي السجال دائراً قروناً قبل أن يصطدم بقوة مع فلسفات حركات التنوير الأوروبية التي شكلت التحدي الأكبر للأديان السماوية كلها.

ولم يكن مفهوم التحديث واضحاً لدى كل الفقهاء والمفسرين التقليديين، قد فهم كثير منهم معنى قوله تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) أنها دعوة لحمد الله على نعمه، والتحدث عنها بياناً، مع أن المعنى الأهم هو التحديث والتجديد، بمعنى حَدِّثْ عيشك وسُبُل حياتك، وهكذا فهمتها مذ كنت حدثاً، وبهذا تكون الدعوة إلى تجديد العيش والحياة فرضاً على الإنسان، ويبدو أن الخوف من الجديد بدوافع التمسك بالثوابت التي خشي كثير من المسلمين أن تهتز، دعاهم إلى الجمود، ورفض التجديد رِيبة وشكاً واحتياطاً لما يمكن أن يكون فيه مخالفة لشرع الله، وقد تسلح المحافظون الرافضون لأي تحديث أو تجديد بحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في خطبة جمعة (وشَرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) أخرجه (مسلم) في صحيحه، وزاد (النسائي) بإسناد حسن (وكل ضلالة في النار) وقال أيضاً في الحديث الصحيح (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وقال أيضاً (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ) .

لقد بالغ كثير من المسلمين في رفع الخصوصية إلى الشمول في فهم خاطئ للمعنى المقيد المقصود لمعنى (البدعة) التي حذر منها رسول الله، ومن الواضح أنها تخصّ أمور الدين وبخاصة العبادات، كأن يبتدع أحد طريقة للصلاة أو الصوم أو الحج أو الزكاة خلافاً لما جاء به التشريع الإسلامي أو ما نهى عنه، وقد حدث ما حذر منه رسول الله من ابتداع طقوس تعبدية دخيلة، وأُلصقت بالإسلام وهي ليست منه في شيء .

وعزز الفهم الناضج لمضمون الحديث حديث آخر صحيح حيث يقول رسول الله (من سنّ في الإسلام سُنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وِزْرها ووِزْر من عمل بها من بعد ذلك لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً) .

وهذه الدعوة للسنّة الحسنة توضح القصد من قول رسول الله (إياكم ومحدثاتِ الأمور فإن كل مُحدَثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة) فالمُحدَثة المعنية في الحديث هي ما يخالف صريح القرآن وصحيح الحديث.

اقرأ أيضاً.. د. "رياض نعسان آغا" يكتب لـ "نداء بوست": من "طالبان" إلى "داعش".. تزييف الإسلام

وأحسب أن الفهم الخاطئ والتعميم المسرف كانا بيئة التطرف الأولى، ومصدر التكفير والاتهام بالشرك، وما زلت أذكر قبل أكثر من خمسين عاماً ما كان يشغل الناس في مدينتي إدلب من حوارات ضارية حول كون المسبحة التي يحملها بعض المسلمين بدعة توجب دخول حاملها في النار، وكذلك كان الحوار حول الاحتفال بعيد المولد النبوي وكونه بدعة وضلالة، وقد وصل الجمود عند بعضهم إلى رفض فرشاة الأسنان والتمسك بالسواك، ولبس الثوب القصير، وحف الشارب وإطلاق اللحية، وساد جدل كبير تزامن مع زيارات متعددة كان يقوم بها الشيخ ناصر الألباني إلى إدلب، وكنت أرى هذا الاهتمام بقضايا هامشية -لا ترى ما يحدث في العالم يومذاك- حالةً من التغييب غير المقصود، ولكنه إخفاق أمام امتحان المعاصرة فكرياً، وكنت أنبه أصدقائي مطلع الستينيات إلى خطر خروجهم من العصر، في وقت كانت فيه كتب سارتر وسيمون دوبوفوار وكولون ويلسون وسواهم تسيطر على عقول الشباب الآخرين، وكانت فيه الماركسية دِيناً يكتسح بلداننا، كما كانت فلسفات العبث واللامعقول ملاذاً للهاربين من مواجهة الحقائق.

مقال مرتبط.. د. رياض نعسان آغا: امتحان الإسلام في مفاهيم ”الحاكمية“ - 2

وفي الإطار الديني قام بعض الشباب باستعادة ابن تيمية وابن قيِّم الجوزية، ولكن هذه الاستعادة لم تلحظ الظرف التاريخي الذي وُلد فيه الرجلان، اللذان لم يهتما بما كان يحدث في أوروبا في عصرهما، حيث بداية ظهور قوي لفلاسفة التنوير في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، فقد كان اهتمام ابن تيمية الأكبر هو مقاومة الاحتلالين المغولي والصليبي ومن تحالف معهما محلياً، وكان فقيهاً حنبلياً شديداً صارماً، لكنه كان يقدم العقل على النقل، ويقول (إن العقل هو أصل النقل، فإن قدمنا النقل عليه كان ذلك قدحاً للعقل الذي هو الأصل) ويعتبر ابن تيمية مؤسس الحركة الفكرية السلفية التي تمسكت بالماضي على مدى قرون، وقد ظهرت الحركة الوهابية متأثرة بمشروعه، بوصفها حركة إصلاحية في القرن الثامن عشر، ولم يحدث صدام فكري بين الإسلام والحداثة الغربية حتى جاء نابليون غازياً لمصر. (وللحديث صلة).

د. رياض نعسان آغا: امتحان الإسلام.. بين الحاكِميَّة والديموقراطيَّة - 3


أحدث المواد