خيري الذهبي الكاتب والمفكر والروائي السوري الكبير في ذمة الله!

أستاذي ومعلمي عندما كنت في سن السادسة عشرة في الصف العاشر بثانوية “أبي ذر الغفاري” بالحسكة، جاءنا مدرس شاب من دمشق يعلم اللغة العربية وقد أحببناه جداً لأنه كان شجاعاً وقوي الشخصية، فعندما يجري الحديث عن “اتحاد الطلبة” كان يقول هؤلاء “اتحاد الجحيشين” فكنا نحن الطلبة الماركسيين نلتف حوله، ونعتبره مثلنا الأعلى. وكان يتحدث في دروسه عن الفقراء والظلم والحرية.

وكان الأستاذ خيري الذهبي أستاذاً رائعاً شوقنا إلى اللغة العربية، وظهر عدد من الشعراء بتأثيره وأما أنا بالرغم من أنني دخلت في الثانوية العلمية، وأحببت الرياضيات إلا أن بصمات الأستاذ خيري بقيت معي وساعدتني في حياتي المستقبلية عندما أصبحت دكتوراً في الرياضيات وأستاذاً جامعياً لعشرات السنين، وكذلك عندما انخرطت بالعمل السياسي والثقافي، وألفت العديد من الكتب، وترجمت بعضها، ودائماً أتذكر أستاذي ومعلمي خيري الذهبي فهو أبرز شخصية تربوية في حياتي.

بالطبع سيتحدث الناقدون والكتاب عن شخصية الذهبي الأدبية والثقافية، وعن عشرات الكتب والروايات الجميلة التي ألفها وحول بعضها إلى أفلام، ولكنني أستطيع القول بكل تواضعإأن خيري الذهبي من أبرز الكتاب السوريين والعرب وله حضور عالمي أيضاً.

التقيته أول مرة بعد سنوات طويلة من الفراق عام 2015 في دبي عندما كنت بزيارة لابنتي وأحفادي. ودعاني الصديق الدكتور عبد الله التركماني للتحدث إلى الجالية السورية في دبي، وحينها كنت رئيس المجلس الوطني لإعلان دمشق، وبالفعل حضرت يوم السبت، وبينما كنا نتحدث ويدخل إخوة وأخوات جدد إلى قاعة الاجتماع وإذ يدخل شخص رحبوا به، وقالوا أهلاً أستاذ خيري. وبما أن ذاكرتي البصرية قوية جداً فعرفت ملامحه بالرغم من تغيرات في شعره وصحته فالعمر له ما له. فجئت إليه، وسلمت عليه، وقلت له أنت أستاذ خيري الذهبي قال: نعم. قلت أنا طالبك في الصف العاشر في الحسكة، وقدمت نفسي وعرفته بنفسي فكانت فرحته غامرة لأنه وجد تلميذه أصبح دكتوراً، وشخصية علمية وسياسية، والتقيت به في دبي عدة مرات لوحدنا وأهداني العديد من رواياته، ومرة التقينا سوياً مع الصديق الدكتور عبد الله تركماني حيث كان يقيم أيضاً في الإمارات حينذاك.

وكان يحدثني الأستاذ خيري الذهبي عن انطباعاته عن دبي، ويقول: دبي تشبه محطة قطارات فلا أحد يعرف أحداً ولا يريد أحد أن يتكلم مع آخر ، وناس تأتي وناس تسافر، وبالنتيجة يشعر الفرد أنه غريب ووحيد في دبي.

كان حزيناً بعد مغادرته دمشق، وحدثني عن النظام المستبد الظالم والفاسد، وكيف دمروا بهمجية مكتبته الضخمة التي أسسها، وجمع كتبها القيمة طيلة عمره، خاصة وأنه قام بتحقيق عدة كتب تراثية بعضها حول تاريخ دمشق بالإضافة إلى الكتب الفكرية والثقافية التي كان يقرأها، وبالفعل كان رجلاً مثقفاً من الطراز الرفيع في التاريخ والأدب والثقافة والسياسة .

حدثني كيف مسخ نظام البعث الثقافة في سورية، وجاء بشباب ليس لديهم أي ثقافة أو خبرة بل كانوا موالين للسلطة، وسلمهم اتحاد الكتاب، ولم يكن لهم علاقة بالفكر أو الإبداع.

كان يقول: إن الثقافة هي أساس التطور والحداثة والتغيير، وكان يدعو إلى أن تكون الثورة الثقافية في أساس الثورة السورية فلا بد من تغيير ثقافة الفرد لكي يصبح إنساناً جديداً ويتخلص من رواسب الماضي التي حولته إلى عبد في نظام الأسد.

وفي المرة الثانية التقيته في غازي عنتاب عام 2015 عندما دعيته لحضور مؤتمر إعلان دمشق كضيف، وألقى كلمة جميلة باسم المثقفين والأدباء تحدث فيها عن دور الثقافة في حياتنا وأن أحد أكبر أسباب تخلفنا هو غياب الثقافة الحقيقية.
كم هو محزن رحيلك يا أستاذي ومعلمي الغالي خيري الذهبي يا من علمتني حب اللغة العربية، والتمكن من الكتابة بها، وكذلك كنت مثلي الأعلى في إلقاء المحاضرات، والثقة بالنفس والشجاعة، وفي إبداء الرأي وعدم الخوف.

كنت تحلم بالعودة إلى دمشق مثل نزار قباني، ولكن الأوباش دمروا حلمك. وأتذكر عندما كنت تتصل بي بالهاتف من باريس كم كنت حزيناً ويائساً وتقول لي لم أعد أشعر بحافز للعمل، لأنك تعبت من الغربة والبعد عن عاصمة الأمويين، التي عشت فيها طفولتك وشبابك، وحصلت على تعليمك فيها، وأحببت سورية وشعبها وتاريخها. لقد كنت عزيز النفس فكلما أعرض عليك أي خدمة أو مساعدة كنت تقول لا ينقصني سوى دمشق الفيحاء.

تعجز الكلمات عن التعبير بما تستحقه، وأنت الأديب والكاتب الكبير وملك الكلمات.
أعزي نفسي وأعزي عائلتك الكريمة وابنك العزيز فارس وابنتك الكريمة، وأعزي السوريين جميعاً بهذه الفاجعة والخسارة التي لن تعوض.
وستبقى ذكراك خالدة في قلوبنا وقلوب الأجيال من خلال ما تركته من أثر أدبي رائع جسد حياة السوريين وطموحاتهم .

رحمك الله يا عزيزي أبو فارس، وجعل مثواك الجنة وإنا لله وإنا إليه راجعون.
موسكو- 4 تموز/ يوليو 2022.

خيري الذهبي الكاتب والمفكر والروائي السوري الكبير في ذمة الله!

أستاذي ومعلمي عندما كنت في سن السادسة عشرة في الصف العاشر بثانوية “أبي ذر الغفاري” بالحسكة، جاءنا مدرس شاب من دمشق يعلم اللغة العربية وقد أحببناه جداً لأنه كان شجاعاً وقوي الشخصية، فعندما يجري الحديث عن “اتحاد الطلبة” كان يقول هؤلاء “اتحاد الجحيشين” فكنا نحن الطلبة الماركسيين نلتف حوله، ونعتبره مثلنا الأعلى. وكان يتحدث في دروسه عن الفقراء والظلم والحرية.

وكان الأستاذ خيري الذهبي أستاذاً رائعاً شوقنا إلى اللغة العربية، وظهر عدد من الشعراء بتأثيره وأما أنا بالرغم من أنني دخلت في الثانوية العلمية، وأحببت الرياضيات إلا أن بصمات الأستاذ خيري بقيت معي وساعدتني في حياتي المستقبلية عندما أصبحت دكتوراً في الرياضيات وأستاذاً جامعياً لعشرات السنين، وكذلك عندما انخرطت بالعمل السياسي والثقافي، وألفت العديد من الكتب، وترجمت بعضها، ودائماً أتذكر أستاذي ومعلمي خيري الذهبي فهو أبرز شخصية تربوية في حياتي.

بالطبع سيتحدث الناقدون والكتاب عن شخصية الذهبي الأدبية والثقافية، وعن عشرات الكتب والروايات الجميلة التي ألفها وحول بعضها إلى أفلام، ولكنني أستطيع القول بكل تواضعإأن خيري الذهبي من أبرز الكتاب السوريين والعرب وله حضور عالمي أيضاً.

التقيته أول مرة بعد سنوات طويلة من الفراق عام 2015 في دبي عندما كنت بزيارة لابنتي وأحفادي. ودعاني الصديق الدكتور عبد الله التركماني للتحدث إلى الجالية السورية في دبي، وحينها كنت رئيس المجلس الوطني لإعلان دمشق، وبالفعل حضرت يوم السبت، وبينما كنا نتحدث ويدخل إخوة وأخوات جدد إلى قاعة الاجتماع وإذ يدخل شخص رحبوا به، وقالوا أهلاً أستاذ خيري. وبما أن ذاكرتي البصرية قوية جداً فعرفت ملامحه بالرغم من تغيرات في شعره وصحته فالعمر له ما له. فجئت إليه، وسلمت عليه، وقلت له أنت أستاذ خيري الذهبي قال: نعم. قلت أنا طالبك في الصف العاشر في الحسكة، وقدمت نفسي وعرفته بنفسي فكانت فرحته غامرة لأنه وجد تلميذه أصبح دكتوراً، وشخصية علمية وسياسية، والتقيت به في دبي عدة مرات لوحدنا وأهداني العديد من رواياته، ومرة التقينا سوياً مع الصديق الدكتور عبد الله تركماني حيث كان يقيم أيضاً في الإمارات حينذاك.

وكان يحدثني الأستاذ خيري الذهبي عن انطباعاته عن دبي، ويقول: دبي تشبه محطة قطارات فلا أحد يعرف أحداً ولا يريد أحد أن يتكلم مع آخر ، وناس تأتي وناس تسافر، وبالنتيجة يشعر الفرد أنه غريب ووحيد في دبي.

كان حزيناً بعد مغادرته دمشق، وحدثني عن النظام المستبد الظالم والفاسد، وكيف دمروا بهمجية مكتبته الضخمة التي أسسها، وجمع كتبها القيمة طيلة عمره، خاصة وأنه قام بتحقيق عدة كتب تراثية بعضها حول تاريخ دمشق بالإضافة إلى الكتب الفكرية والثقافية التي كان يقرأها، وبالفعل كان رجلاً مثقفاً من الطراز الرفيع في التاريخ والأدب والثقافة والسياسة .

حدثني كيف مسخ نظام البعث الثقافة في سورية، وجاء بشباب ليس لديهم أي ثقافة أو خبرة بل كانوا موالين للسلطة، وسلمهم اتحاد الكتاب، ولم يكن لهم علاقة بالفكر أو الإبداع.

كان يقول: إن الثقافة هي أساس التطور والحداثة والتغيير، وكان يدعو إلى أن تكون الثورة الثقافية في أساس الثورة السورية فلا بد من تغيير ثقافة الفرد لكي يصبح إنساناً جديداً ويتخلص من رواسب الماضي التي حولته إلى عبد في نظام الأسد.

وفي المرة الثانية التقيته في غازي عنتاب عام 2015 عندما دعيته لحضور مؤتمر إعلان دمشق كضيف، وألقى كلمة جميلة باسم المثقفين والأدباء تحدث فيها عن دور الثقافة في حياتنا وأن أحد أكبر أسباب تخلفنا هو غياب الثقافة الحقيقية.
كم هو محزن رحيلك يا أستاذي ومعلمي الغالي خيري الذهبي يا من علمتني حب اللغة العربية، والتمكن من الكتابة بها، وكذلك كنت مثلي الأعلى في إلقاء المحاضرات، والثقة بالنفس والشجاعة، وفي إبداء الرأي وعدم الخوف.

كنت تحلم بالعودة إلى دمشق مثل نزار قباني، ولكن الأوباش دمروا حلمك. وأتذكر عندما كنت تتصل بي بالهاتف من باريس كم كنت حزيناً ويائساً وتقول لي لم أعد أشعر بحافز للعمل، لأنك تعبت من الغربة والبعد عن عاصمة الأمويين، التي عشت فيها طفولتك وشبابك، وحصلت على تعليمك فيها، وأحببت سورية وشعبها وتاريخها. لقد كنت عزيز النفس فكلما أعرض عليك أي خدمة أو مساعدة كنت تقول لا ينقصني سوى دمشق الفيحاء.

تعجز الكلمات عن التعبير بما تستحقه، وأنت الأديب والكاتب الكبير وملك الكلمات.
أعزي نفسي وأعزي عائلتك الكريمة وابنك العزيز فارس وابنتك الكريمة، وأعزي السوريين جميعاً بهذه الفاجعة والخسارة التي لن تعوض.
وستبقى ذكراك خالدة في قلوبنا وقلوب الأجيال من خلال ما تركته من أثر أدبي رائع جسد حياة السوريين وطموحاتهم .

رحمك الله يا عزيزي أبو فارس، وجعل مثواك الجنة وإنا لله وإنا إليه راجعون.
موسكو- 4 تموز/ يوليو 2022.

من الممكن أن يعجبك

“قسد” تعلن عن مصرع أحد قيادييها جرّاء استهدافه بمسيّرة تركية

“قسد” تعلن عن مصرع أحد قيادييها جرّاء استهدافه بمسيّرة تركية

نداء بوست – عبد الله العمري - الحسكة أعلنت "قسد" اليوم الأحد عن مقتل قيادي في صفوفها، بالإضافة إلى ثلاثة ...

اعتقال نواب في البرلمان العراقي خلال تظاهُرات كردستان.. ورئاسة مجلس النواب صامتة

اعتقال نواب في البرلمان العراقي خلال تظاهُرات كردستان.. ورئاسة مجلس النواب صامتة

"نداء بوست"- عواد علي- بغداد استغربت رئيسة كتلة حركة "الجيل الجديد" في مجلس النواب العراقي، النائبة سروة عبد الواحد، اليوم ...

الأهالي يضيقون ذرعاً بتعديات عناصر “قسد” المستمرة في مناطق شمال شرق سورية

الأهالي يضيقون ذرعاً بتعديات عناصر “قسد” المستمرة في مناطق شمال شرق سورية

نداء بوست - عبدالله العمري - دير الزور تشهد مناطق سيطرة "قسد" في ريف دير الزور الشرقي حالة من الاحتقان ...

الشارع الأردني يتابع بغضب العدوان الإسرائيلي الجديد على غزّة

الشارع الأردني يتابع بغضب العدوان الإسرائيلي الجديد على غزّة

نداء بوست- محمد جميل خضر- عمّان بغضب وترقّب، يتابع الشارع الأردني العدوان الإسرائيلي الجديد على قطاع غزّة المُحاصَر. المتابعة الأردنية ...

عنصر في الدفاع الوطني يضرب شرطياً في زاكية بريف دمشق

عنصر في الدفاع الوطني يضرب شرطياً في زاكية بريف دمشق

نداء بوست- مروان أبو مظهر- ريف دمشق أقدم عنصر من ميليشيا "الدفاع الوطني"، اليوم الأحد على الاعتداء بالضرب المبرح على ...

محمود الحمزة

محمود الحمزة

د. محمود الحمزة عالم وسياسي سوري أستاذ دكتور في الرياضيات ومختص في تاريخ العلوم العربية يقيم في موسكو وكبير باحثين علمي

نداء بوست

موقع نداء بوست منصّة إخبارية سياسية ثقافية اجتماعية اقتصادية منوّعة