خذوا أسرارهم من أفلامهم

خذوا أسرارهم من أفلامهم سوشال ميديا

لم تترك السينما تورط الإدارة الأمريكية في أفغانستان بيد العسكر وسادة البيت الأبيض الذين توالوا على الرئاسة، بل إنها مدت أصابعها ومجساتها لتعبث بدورها في القضية.

لكن الفرق شاسع بين عبث الأفلام وفرق عملها من كتاب ومنتجين ومخرجين وممثلين، وبين أفعال القوات العسكرية وقواها المدمرة، بالبلاد التي كانت مازالت عرضة للحروب الأهلية وللتدخلات والاحتلالات!

الحديث هنا عن السينما والحروب والسياسة، يستوجب أن يخوض المرء فيه، من زوايا شتى، تبدأ بقراءة طبيعة ما جرى على الأرض، من صراعات حول المصالح والثروات، والحروب الباردة المستمرة بين القوى العظمى، التي تتحول إلى حروب بالوكالة من خلال لاعبين محليين، وقد لا تنتهي بقراءة التحولات الجديدة، بعد أن تبدلت الأحوال ميدانياً وسياسياً، فاحترقت خرائط ورُسمت بدلاً عنها أخرى جديدة، يحتاج فهم تضاريسها إلى الكثير من الوقت.

بدلاً من التورط في القراءة الصعبة لما جرى في الأيام الأخيرة في هذه البلاد المنكوبة، ذهب صحفيون مختصون بشؤون السينما إلى تتبع خرائط مختلفة، تحاول تشريح أعمال السينما في الشأن الأفغاني، فرسموا إحداثيات متعددة، تبدأ في غالبيتها من فيلم Rambo 3 رامبو 3 (1988) الشهير للنجم سلفستر ستالون، وإخراج بيتر ماكدونالد، ولا تنتهي على اتفاق واضح، فالكاميرات السينمائية لم تتوقف، عن التصوير، ولا يبدو أنها ستفعل، بعد أن خلق الانسحاب العسكري الراهن قصصاً جديدة، عن مصائر متباينة للبشر الذين شاركوا بشكل أو بآخر في الحدث الأفغاني، غير أنها، رغم ذلك، تمر حكماً بأفلام مهمة مثل Charlie Wilson's War حرب تشارلي ويلسون (2007) وهو من إخراج مايك نيكولز.

وWar Dogs كلاب حرب (2016) للمخرج تود فيليبس.

وLone Survivor الناجي الوحيد (2013) للمخرج بيتر بيرج.

وZero Dark Thirty 30 دقيقة بعد منتصف الليل (2012) للمخرجة كاثرين بيجلو.

وRock the Kasbah روك في القصبة (2015) للمخرج باري ليفنسون.

في البحث عن اسم أفغانستان في موقع IMDb (قاعدة بيانات السينما على الانترنيت) سيعثر الباحث عن أسماء لعشرات الأفلام، وعلى مئات المنتجات الدرامية التي ترتبط بالقضية؛ فعلى سبيل المثال، يكفي أن يتم خلق تاريخ لشخصية ما في أفغانستان، مثل أن يكون محارباً في مشاة الجيش الأمريكي، وكذلك يكفي أيضاً أن تكون الشخصية قد عملت في شركات التوريد والخدمات للقوات المتعددة الحاضرة هناك، حتى تجد لها ذكراً في مساحة المعلومات عن الأفلام أو الدراما أو الوثائقيات.

ضمن هذا السياق، ينفع القيام بتصنيف طبيعة المادة الدرامية، لنتخيل الكم الهائل الذي تحتويه، فلا يبقى بعد القيام بذلك سوى قليل من المنتجات، يمكن من خلالها قراءة الخطابات السينمائية التي أحاقت بهذا الموضوع.

طبعاً، علينا ألا ننسى أن القراءات في مجملها شخصية، بمعنى أن كل من شاهد جزءاً من هذه الأفلام أو المسلسلات أو الوثائقيات، سيضع خريطته، لكن وبشكل عام، ثمة معالجات اتسمت بالجدية والقراءة العميقة لما جرى، وأخرى تجارية عابرة، وعلى مسافة من هذين النمطين هناك أفلام حاولت أن تذهب إلى معالجات خفيفة، غير أن المسألة الأهم التي قاربتها السينما الأمريكية، والتي تتعلق بأفعال الأمريكيين أنفسهم في أفغانستان، وليس الجهاديين من القاعدة وطالبان، أو من الأفراد من الشعب ذاته، هي قيامها بكشف بعض الجرائم والمخالفات التي يمكن لتتبعها أن يوضح أسباب الانهيار الذي أصاب الكيانات التي أنشأها الاحتلال، مجرد انسحاب قواته من مناطق سيطرتها.

فكما كشفت مغامرات تشارلي ويلسون في دفع السياسيين نحو خلق الحالة الجهادية في مواجهة السوفييت، عن فساد الإدارات ولهاثها نحو مصالحها دون مراعاة الأخطار التي ينطوي عليها إطلاق المارد من قمقمه، سيكشف فيلم 30 دقيقة بعد منتصف الليل عن فظائع أساليب الاستجواب المُعزز أي التعذيب المُمنهج للمحتجزين لدى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ووكالة استخبارات الدفاع (DIA) بالإضافة إلى العديد من مكونات القوات المسلحة الأمريكية في مواقع سوداء حول العالم مِن ضِمنها قاعدة بغرام في أفغانستان.

وعلى أرضية السخرية، والحكايات الخفيفة، سيأتي فيلم روك في القصبة للمخرج باري ليفنسون وبطولة النجم بيل موري، بحكاية تستند في بعض محركاتها الدرامية على فساد النخب الأمريكية العاملة على الأرض، وعلى اشتغالها على إذكاء الحروب الداخلية بين الفصائل والقبائل، وأيضاً على توريد الذخيرة الفاسدة للجيش الأفغاني، والتهام مئات المليارات من الدولارات، تحت عناوين براقة شتى، كتمدين المجتمع، ومشاريع خلبية، كإنشاء المدارس والمؤسسات الخدمات، يتم تسجيلها على الورق، بذات الطريقة التي جرى من خلالها تسجيل آلاف الجنود في قوائم المنخرطين في هياكل الجيش الوطني، وقبض مرتباتهم من قبل زعماء الميليشيات، ورجالات الحكم، الذي سيتحالف أفراده مع الحكام الجدد من طالبان، وذلك بحسب ما يرد في الأخبار عن لقاءات بين الطرفين.

الشيء المختلف، فيما سيحدث وفق ما ينبو عن السياق، أن أنماط الفضائح هذه، كانت أسراراً ذات يوم، صارت قصصاً معروفة لكل من شاهد تلك الأفلام، وستغدو كذلك، طالما بقيت الكاميرات تدور.