حرب بلا نهاية: مَن سيكون صانع الملوك في سورية عام 2022؟

حرب بلا نهاية: مَن سيكون صانع الملوك في سورية عام 2022؟الحرب السورية

المصدر: T.R.T. العالمية

ترجمة: عبد الحميد فحام

بقلم: عمر أوزكيزيلجيك محلل للسياسة الخارجية والأمن.

إن السلام مصطلح نسبي في منطقة تشهد معارك مثل سورية في عام 2021. فبعد سنوات من الحرب الطاحنة، وجدت الدولة المدمرة مُتنفساً بعد تجنُّب عملية عسكرية مقترحة من قبل روسيا وإيران ونظام الأسد على إدلب. كما تم تأجيل عملية مكافحة الإرهاب من قبل تركيا والحكومة السورية المؤقتة (SIG) ضد مجموعة وحدات حماية الشعب الكردي (YPG) الإرهابية بعد أن فتحت القيادة المركزية الأمريكية المجال الجوي لروسيا.

وبالإضافة لذلك فإن جهود المصالحة مع نظام الأسد أحرزت أيضًا تقدمًا. لذلك وعلى خلفية هذه الأحداث، لا بد من طرح السؤال التالي: هل هناك ضوء في نهاية النفق للبلد الذي مزقته الحرب في عام 2022؟

لقد تحولت الحرب السورية إلى حرب طويلة الأمد، حيث استمرت لأكثر من عقد على الرغم من المحاولات العديدة للتوصّل إلى تسوية تفاوضية. لكن تحليل الديناميكيات الرئيسية للصراع قد يعطي نظرة ثاقبة للخطوط المحتملة للحرب في المستقبل القريب.

النقطة الأولى هي الجهود المبذولة للتطبيع مع نظام الأسد حيث إنه ستظل حالة عدم اليقين بشأن سياسة إدارة بايدن تجاه سورية ومواقفها الرسمية تجاه أولئك الذين يحاولون تطبيع نظام الأسد ديناميكية قوية.

وبينما صاغ مجلس الشيوخ الأمريكي قانون CAATSA وأشكالاً أخرى من العقوبات ضد نظام الأسد، يبدو أن إدارة بايدن مستعدة لتقديم إعفاءات لبعض الدول منها. فلقد كان قرار الإنتربول بالسماح لنظام الأسد بالانضمام إلى شبكته، والتواصل الدبلوماسي لدولة الإمارات العربية المتحدة والصفقات الاقتصادية مع حكومة النظام، فضلاً عن التطبيع المتزايد للأردن، من العوامل الرئيسية للجهود المستمرة لمنحه الشرعية. وعلى وجه الخصوص، فإن الخلاف في هذه القضية بين وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي بقيادة بريت ماكغورك يوفر فرصة لتطبيع نظام الأسد. ومع ذلك، كان يُنظر إلى خطاب عام قاسٍ من قبل ممثل المملكة العربية السعودية في الأمم المتحدة ضد نظام الأسد على أنه إشارة قوية على أن جهود التطبيع في العالم العربي لن تمر دون اعتراض.

وإذا تمت دعوة نظام الأسد للعودة إلى جامعة الدول العربية، فقد تصبح احتمالات الحل السياسي في سورية بعيدة للغاية ويجوز كذلك عرقلة عمل لجنة الدستور. وقد يكون لدى نظام الأسد وداعميه دوافع أخرى للبحث عن حل عسكري. وفي مثل هذه الحالة، قد تستخدم تركيا الدبلوماسية لمنع تطبيع نظام الأسد لمنع الحل العسكري للصراع. وسيزداد الضغط على تركيا بصفتها الفاعل الوحيد الذي يحافظ على إمكانية التوصل إلى حل سياسي فعّال.

أما الديناميكية الثانية في الحرب السورية هي المفاوضات التركية الروسية وحماية موسكو لوحدات حماية الشعب الكردية. فيبدو أن روسيا تستخدم تفوقها الجوي في إدلب كوسيلة ضغط ضد تركيا من خلال استهداف مخيمات النازحين داخليًا وخلق موجة هجرة جماعية جديدة نحو تركيا. وقد زادت روسيا من نشاطها الجوي ردًا على بيع أنقرة للطائرات بدون طيار إلى بولندا، والذي كان يُنظر إليه على أنه تصدير للنموذج التركي في سورية وليبيا وكاراباخ حول كيفية مواجهة موسكو دون مساعدة الولايات المتحدة.

وهدوء التصعيد المتجدد جاء بعد قمة بين أردوغان وبوتين. فمن ناحية أخرى، لم تفِ روسيا بالتزاماتها فيما يتعلق بوجود وحدات حماية الشعب الكردية في تل رفعت ومنبج والشريط الممتد 30 كم شرق الفرات. بل على العكس من ذلك، واصلت روسيا حماية وحدات حماية الشعب الكردية ومساعدتها. وقد شنّت وحدات حماية الشعب 192 هجوماً بسيارات مفخخة منذ حزيران / يونيو 2018 وشنت هجمات ضد جنود أتراك، مما دفع وزير خارجية تركيا إلى اتهام الولايات المتحدة وروسيا بدعم وحدات حماية الشعب.

لا يزال بإمكان الولايات المتحدة أن تصبح صانع ملوك في سورية

في عام 2022، قد تستمر موسكو في استخدام سورية كورقة ضغط ضد تركيا. وقد تعتبر موسكو التحوّل الإستراتيجي للولايات المتحدة نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ فرصة لزيادة الضغط على تركيا، وخاصة على إدلب، وبوجود هيئة تحرير الشام قد تحاول روسيا الضغط من أجل الحصول على تنازلات سياسية تركية في دورها كضامن للسلطة للمعارضة السورية. وعلى الجانب الآخر، قد يتوقع المرء أن تضغط تركيا على روسيا بشأن وحدات حماية الشعب. لذلك يمكن توقع أن تؤدي هذه الازدواجية في سورية إلى صفقة. ومع ذلك، فإن الجوانب العامة للعلاقات التركية الروسية والتطورات الجديدة المحتملة في أوكرانيا ومنطقة الدول التي تعتبر امتداداً للأتراك في أوربا يمكن أن تغير الأفق بالنسبة لسورية.

سيتطلب التغيير في العلاقات التركية الروسية الأوسع نطاقاً من كِلا البلدين إعادة حساب التوازن في علاقاتهما المعقدة. لذلك، فمن المحتمل ألا تكون سورية هي الملف الأول في العلاقات، لكن مصيرها سيتوقف عليها.

الديناميكية الثالثة للحرب السورية هي السياسة الأمريكية تجاه سورية ومساعدة القيادة المركزية لروسيا. ففي عام 2021، وبعد تصاعُد الخطاب والاستعدادات من قِبل تركيا والحكومة السورية المؤقتة، فتحت القيادة المركزية الأمريكية المجال الجوي لروسيا. ولأول مرة منذ تقسيم السيطرة الجوية الأمريكية الروسية، دخلت مقاتلات روسية شرق سورية وأجرت تدريبات عسكرية لمنع عملية عسكرية سورية تركية جديدة ضد وحدات حماية الشعب الكردية.

في العام المقبل، قد تُحدد السياسات الأمريكية في سورية نتيجة الديناميكيات الأخرى. ويتم الحفاظ على الوضع الراهن في سورية بين تركيا وروسيا والولايات المتحدة. فبينما لا تبدي النخبة السياسية في الولايات المتحدة الكثير من الاهتمام بسورية، أو أنها ليس لديها رؤية سياسية، تقوم القيادة المركزية الأمريكية إما بلعب دور عميلها وحدات حماية الشعب، وإما أن تتصرف لصالح عميلها بدلاً من الولايات المتحدة. وقد يؤدي تغيير محتمل في سياسات الولايات المتحدة إلى كسر ذلك الجمود.

إن استمرار السياسات الحالية قد يُسهم في التعزيز التدريجي لروسيا. وإن تزويد القيادة المركزية لروسيا بحوافز فقط لحماية وحدات حماية الشعب سيعزز مكانة روسيا في سورية وقد يدفع باتجاه اتفاق روسي أمريكي يتوقع إعادة تطبيع نظام الأسد. ومع ذلك، إذا صاغ صانعو السياسة الأمريكيون سياسة سورية لضمان الانتقال السياسي بما يتماشى مع قرار الأمم المتحدة 2254، وتخلّوا عن وحدات حماية الشعب للعمل مع تركيا والمعارضة السورية الشرعية، ودمجوا بيشمركة روج في هذا المزيج، فلا يزال بإمكان الولايات المتحدة أن تصبح صانع ملوك في سورية دون التخلي عن الأكراد السوريين.

باختصار، يبدو أن مصير سورية في عام 2022 يعتمد على متغيرين مستقلين. أولهما العلاقات التركية الروسية وكيف يمكن للصراعات في المجالات الأخرى بينهما أن تؤثر على سورية. والثاني هو السياسة الأمريكية تجاه سورية، والتي ستحدد مستقبل جهود التطبيع مع نظام الأسد وتوازُن القوى بين تركيا وروسيا في سورية.


أحدث المواد