تحرير الشام وتبدلات الشرعية في سبيل البقاء

تحرير الشام وتبدلات الشرعية في سبيل البقاءعناصر من هيئة تحرير الشام (فرانس برس)

تعد قضية بناء شرعية السُلطة من أهم الهواجس التي تسيطر على تفكير الجماعات الجهادية لأنها تضمن لها حالة من الاستمرار وحماية أخلاقية من الانهيار والانشقاق وتحرص هذه الجماعات على تعزيز هذه الشرعية في وعي جنودها بشكل أساسي وعند الحاضنة الشعبية بشكل ثانوي من خلال خطابها الإعلامي وتكرار الرسائل التي تؤكد هذه الشرعية، وادعاء الأحقية والأفضلية على غيرها من خلال ادّعاء احتكار الحق ونسف مشروعية المنافسين المحتملين، لكن سرعان ما تتعرض هذه الجماعات المبدئية في ظاهرها والبراغماتية في حقيقتها إلى حالة من التناقض بين الشرعية والسلوك، وهنا تلجأ القيادة إلى ترميم هذه الفجوة، بإعادة تفسير السلوك وإعطائه بعداً أخلاقياً  أو إعادة تفسير معنى الشرعية لتستوعب الفعل المصلحي وتؤمن له الغطاء الشرعي العاصم من التمرد والانشقاق في الجماعة أو استبدال الشرعية المتآكلة بشرعية جيدة قابلة للاستعمال.

وهذا ما حدث مع تحرير الشام فقد بدأت جبهة النصرة مشروعيتها الأولى كامتداد للفرع العراقي للقاعدة عندما جاء  الجولاني إلى سوريا منتصف 2011  جندياً في تنظيم أبي بكر البغدادي، وما إن وصلنا إلى عام 2013 حتى امتلك الجولاني جيشاً عرمرماً من الرجال والسلاح، لم يرغب بذهاب كل هذا الرصيد لشيخه البغدادي الذي جاء مطالباً بحقه داعياً لضم جبهة النصرة إلى دولة الإسلام في العراق والشام فلم يجد الجولاني بداً من التدثر بغطاء شرعي يعصمه من الوقوع في براثن البغدادي فأعلن بيعته للقاعدة في كلمة صوتية بدون إظهار للوجه في إشارة منه أنه ينتمي لذات التيار المستهدف من الولايات المتحدة حيث كان الاستهداف الدولي بحد ذاته مدعاة للفخر ومصدراً مهماً للشرعية الأخلاقية التي تعتاش عليه جبهة النصرة وعاملاً جاذباً  للجنود وعلامة على صدق الجماعة حيث أن سهام الباطل تشير برأيهم إلى مكامن الحق، وبدأ الحديث داخل صفوف النصرة عن صفاء المنهج والعقيدة الصحيحة التي لا يشوبه فكر الخوارج ولا المرجئة كعلامة فارقة على شرعية المنهج.

وما إن بدأت النصرة بحربها ضد فصائل الجيش الحر ابتداء من جبهة ثوار سورية حتى رفعت تعويذة جديدة لكسب الشرعية من خلال الحديث عن شرعية مركبة من محاربة الفساد ومقاتلة عملاء الغرب المرتدين والدفاع عن النفس  ضد الفصائل التي وقعت على قتالها بحيث تعطي لكل شريحة خطاباً يناسبها فتقول للغلاة مثلاً "إننا نحارب المرتدين".

وهي بنفس الوقت حرب على المفسدين بالنسبة للحاضنة الشعبية التي تتأثر جداً  بالخطاب الأخلاقي وهي كذلك دفاع عن النفس أمام فصائل من الجيش الحر لتضمن حيادها  مرحلياً على الأقل.

وعندما استنفدت تحرير الشام تجربة جيش الفتح وذهبت باتجاه فك الارتباط بتنظيم القاعدة منتصف 2016 بعد تخوف الجولاني من تنامي التيار القاعدي بقيادة اللوبي الأردني حيث خشي  الأخير من تنحيته عن القيادة فأخذ هذه الخطوة التي تم إخراجها على أنها خطوة ضرورية لتوحيد الساحة وقطع الذرائع أمام الفصائل التي امتنعت عن التوحد مع جبهة النصرة بسبب تبعية الأخيرة للقاعدة، فخرج الجولاني يومها معمماً بعمامة بيضاء تحاكي عمامة أُسامة بن لادن و الظواهري ليرسل رسالة مفادها أنه بالرغم من فكّ البيعة لكنه لايزال وفياً لنهج شيوخ القاعدة وأنه يتشرف بالتشبه بلباسهم وأن فك الارتباط ما هو إلا إجراء شكلي لن يغير من حقيقة إخلاصه لنهج القاعدة ومحاطاً بشخصية أجنبية هو أبو الفرج المصري ليبعث برسالة تطمين للمقاتلين الأجانب.

لكن لم تفلح فكرة فك الارتباط بتوحيد الساحة تحت قيادة الجولاني فبدأ العزف على فكرة التغلب كخيار لا بد منه والذي بدأ يغرد ويدندن حولها شرعيون مقربون من الجولاني كالفلسطيني وغيره معتبرين التغلب وسيلة شرعية لجمع الكلمة وتوحيد القوة العسكرية لفتح معارك التحرير ضد النظام وتحكيم الشريعة وضرب الفصائل العلمانية وصارت شعارات التوحد وجمع الكلمة، وتحكيم الشريعة هي الشرعية الجديدة التي بدأ الترويج لها لتبرير الحرب على الفصائل وتفكيكها. 

وبعد تشكيل تحرير الشام وسلوكها مسلك التغلب بحجة توحيد الساحة وفشل هذا التوحد بخروج كل الفصائل المنضوية داخل تحرير الشام منها، بدأ الحديث عن شرعية الإدارة وحوكمة المحرر، وتم تشكيل حكومة الإنقاذ التي كانت بمثابة الواجهة المدنية لتحرير الشام، وصار الحديث عن الجسم الأكبر، وصرح عطون بذلك عندما قال" نحن في تحرير الشام نُشكل اليوم القوة المجاهدة الأكبر في المحرر ونرابط على ثلثي المحرر".

 وصارت تحرير الشام تغزل في نسج شرعية جديدة هي القوة الحامية للمحرر لكن بعد ثبات فشل تحرير الشام بحماية المناطق المحررة وسقوط مناطق واسعة شرق السكة تلاشت هذه الشرعية المتوهمة وباتت تحرير الشام بحاجة لشرعية جديدة تتدفأ بها.

ومع دخول الجيش التركي إلى مناطق إدلب وريف حلب الغربي، بدأت "تحرير الشام" تتحدث عن شرعية هذه الخطوة التي حاربت أحرار الشام من أجلها، باعتبار أن الجيش التركي سيكون منضبطاً تحت سلطة تحرير الشام وطالما أنّ الكلمة في المحرر هي لتحرير الشام وليست للجيش التركي، فالأمر شرعي كما بين ذلك "الفرغلي" في درس له مصور، لكن هذا الكلام لم يدم طويلاً حيث ثبتَ فشل تحرير الشام في حماية المحرر وأصبح الناس يؤمنون أن من يحمي المنطقة من السقوط هو الانتشار الكثيف للجيش التركي وباتت تحرير الشام تتبع التعليمات التركية بحذافيرها ولم تفتح أية معركة مع النظام بعد تفكيكها لقوة الفصائل.

فبدأت تحرير الشام بإنتاج شرعية جديدة وهي التركيز على الفارق الأمني والإداري بين مناطق "درع الفرات"، "وغصن الزيتون" التي تتكاثر فيها الإدارات وتقع فيها التفجيرات والحوادث الأمنية وبين مناطق إدلب التي تخضع لإدارة واحدة وتتميز بالضبط الأمني المتقدم لكن حتى رواية الضبط الأمني لم تَعُد مُجدية بعد فشل تحرير الشام بكشف " سرية أبي بكر" التي استهدفت أرتال الجيش التركي حوالي أربع مرات. 

بدأت الحاضنة الشعبية تتذمر من سياسة تحرير الشام التي أرهقت الناس بالضرائب والأتاوات فقامت تحرير الشام بحملة إعلامية لتحسين صورتها أمام الحاضنة الشعبية، وتجول الجولاني في المخيمات، ومطاعم الفول، وظهرَ في اجتماع مع مشايخ العشائر وهو يرتدي العباء العربية والحطة الحمراء، ليوصل رسالته بشكل واضح أنه ابن العشائر العربية محاولاً الاستثمار السياسي بالورقة العشائرية. 

لم تحظ حكومة الإنقاذ بالاعتراف لا الدولي ولا الإقليمي ولم يرفع اسم تحرير الشام عن قوائم الإرهاب وهنا وجدت تحرير الشام نفسها مضطراً للمصالحة مع الثورة فسمحت في احتفالات الثورة هذا العام برفع علم الثورة وإقامة التظاهرات الثورية، وبدأت كلمة ثورة تدخل مفرداتها الخطابية، وقامت بحملة علاقة خارجية  فقد اِلتقى الجولاني مع مجموعة الأزمات، وظهر مع الصحفي الأمريكي "مارتن سميث" مُرتدياً البدلة الرسمية باحثاً عن شرعيةٍ دولية وتحقيق الاعتراف وصرحت تحرير الشام أن هدف هذه الحملة هو تحسين صورتها لدى العالم لكن بدون أي فائدة.

ونخلص في النتيجة إلى  أن تنقل تحرير الشام بين هذه المشروعيات كان بمثابة خطوات ومراحل تكتيكية للوصول للشرعية الاستراتيجية وهي شرعية القوة والتوظيف  أي فرض نفسها على القوى المحلية بالقوة ( العسكرية والأمنية والاقتصادية )، وعلى القوى الخارجية بالتوظيف وهو قيام تحرير الشام  بالحفاظ على الاتفاقيات الدولية حول وقف إطلاق النار وتنفيذ مخرجات أستانا، ومحاربة تنظيمات مُتشددة مثل حراس الدين وتنظيم "داعش" وحماية حدود أُروبا من حركة الهجرة، وهو ما يبقى على تحرير الشام كلاعب محلي أبرز حتى الآن.


أحدث المواد