"بلنكن" ومفاعيل "Never Again"

"بلنكن" ومفاعيل "Never Again"

"نلزم أنفسنا مجدداً ضمان أن يتم سرد تاريخهم الكامل، والتعهد بالعمل، كل يوم، حتى لا يتكرر التاريخ ". هذا اقتباس من حديث قدّمه منذ فترة السيد "أنطوني بلنكن" وزير خارجية الولايات المتحدة في الذكرى الثمانين لمذبحة (بابين يار) على يد النازية عام ١٩٤١. العبارة المفتاحية في قوله هذا هي "حتى لا يتكرر التاريخ"؛ وهي عبارة حوّلها كل مَن يتحدث عن "الهولوكوست اليهودي" إلى شِبه شعار بالإنكليزية يقول: {"Never Again"/ لن يتكرر}. كم هم محظوظون اليهود، لينطق وزير خارجية أقوى دولة في عالمنا بعبارة كهذه. فهي لا تذكّر فقط بمأساة ارتُكبت بحقهم، وإنما تعبر عن دعمهم وتحصينهم ضد ارتكابها ثانية.

قوة التنظيمات اليهودية والصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية إعلامياً واقتصادياً وسياسياً معروفة؛ وتزاحُم طلّاب النفوذ والسلطة في أمريكا على نيل رضا تلك النُّظُم، ليس خَفِيّاً على أحد؛ إلا أن الأمر بالنسبة للسيد "بلنكن" شخصي أيضاً؛ فهو ربيب أحد الناجين من المحرقة "الهولوكوست". ومعروف أنه لا يشعر بالألم ووطأته، أكثر من أهله. ومِن هنا، لا يُتَوَقَّع منه إلا أن يعرف ويحسّ بهذا الوجع؛ وكما لم يقبله على نفسه وعلى مَن يحب، لا نتوقَّع أن يقبله على آخرين.

 لم تكن مأساة السوريين على يد صنف جديد من النازية أقلَّ فداحة مما يؤلم السيد "بلنكن"، ويجعله يقول never again. فإذا كان "للهولوكوست" شروط، فكلها تحققت للسوريين: إذلال وامتهان كرامة، قتل بمئات الآلاف، تدمير للمدارس والمشافي والأسواق، اعتقال تعسفي بمئات الآلاف لا بعشرات الآلاف؛ قتل تحت التعذيب، والأقرب لذلك الاسم "العالمي" "الهولوكوست/المحرقة" هناك توثيق لحرق آلاف الأحياء بأفران معتقل صيدنايا. فماذا فعلت أو عساها تفعل خارجية أمريكا بقيادة رجل يعني له "الهولوكوست" الكثيرَ؟

 لا بد أن نتذكّر ها هنا بعضاً مما جاء على لسان الرجل قبل أن يصبح وزيراً للخارجية؛ وتحديداً عندما كان جزءاً من إدارة أوباما. فكيف نظر الرجل إلى سياسة "أوباما" تِجاه القضية السورية؟ في إحدى إحاطاته للكونغرس الأمريكي- وكان وقتها نائباً لوزير الخارجية "كيري"- وبعد أن فشلت إدارة أوباما في أي عمل إنساني يُنهي المأساة السورية، هذه بعض أقوال الرجل: "الروس يمنعون سقوط الأسد، وبإمكانهم ردعه". "إيران ستستخدم أموال الاتفاق النووي في مزيد من دعم الإرهاب ونشره". "لا بد من إنهاء المأساة السورية؛ والانتقال السياسي في سورية ضرورة".

 والآن، ما المستجدّ خلال عام من تبلور سياسة أمريكية تِجاه سورية؟ وهنا لا بد للسيد "بلنكن" أن يسمح لنا بالقول: إن مَن يضع "حقوق الإنسان" في صميم السياسة الخارجية الأمريكية في الأسبوع الأول من تقلُّده منصبه، ومَن يسعى للتماشي مع طروحات رئيسه "بايدن"، الذي جعل من وقف توترات العالم ومآسيه عنواناً لإدارته، ومَن يعرف بدقة ما فعله "أوباما" تِجاه القضية السورية، ومَن أقرّ بالتقصير تِجاه إنقاذ السوريين من "الهولوكوست" الذي يحلّ بهم (رغم عدم استخدامه لذلك المصطلح)، ومَن يقول ("never again" لا يمكن لذلك أن يحدث ثانية)؛ غير متوقَّع منه أن يكرس الرخاوة تجاه القضية السورية، ولا أن يكتفي بأن أمريكا لن تعيد علاقاتها مع الأسد- ولكنها لن تقف في وجه مَن يريد فعل ذلك، ولا أن يسمح بمشاركة منظومة الأسد بخطة إقليمية لتجارة الغاز الطبيعي والطاقة الكهربائية، ولا أن يقبل بخرق قانون "قيصر" الذي صُمِّم لدفع "النظام" باتجاه حل سياسي.

 تلك كانت ملامح مقاربته للقضية السورية مؤخراً؛ إلا أن ملامح أخرى ظهرت منذ عشرة أيام. ففي آخِر تصريح له حول القضية السورية بدا "بلنكن" مُحرَجاً وحريصاً على انتقاء مفرداته التي تعاكس توجُّهاً سابقاً، ليقول: "ما لم نفعله وما لا ننوي فعله هو الإعراب عن أي دعم لجهود تطبيع العلاقات أو إعادة تأهيل السيد الأسد أو رفع عقوبة واحدة عن سورية أو تغيير موقفنا لمعارضة إعادة إعمار سورية حتى يتحقق تقدُّم لا رجوع فيه نحو حل سياسي ".

لا تزال بعض الآمال معقودة على "بلنكن" أن يكون ضمير إدارة "بايدن" الذي يبدو أنه لا يزال تحت تأثير سلفه الذي فشل في منع خسارة مروِّعة في الأرواح، ونزوح هائل للاجئين. وفي هذا الصدد قال "بلنكن" سابقاً: "إنه شيء سوف آخذه معي لبقية حياتي". وكأنها صحوة ضمير. نحن لا نريد للسيد بلنكن أن يُصاب بتبكيت الضمير، ولا بحالة عار ترافقه بقية حياته. ولحسن حظه، وتجاوباً مع ضميره، الذي لا يريد له أن يُصاب بالتبكيت، هو الآن ليس في موقع ثانوي في إدارة أمريكية، بل في موقع صناعة القرار؛ هو رأس الدبلوماسية والسياسة الخارجية الأمريكية؛ والقضية التي نحن بصددها ليست أقل مأساوية عن تلك التي قال فيها “neve again”.

أخيراً، وبالانتقال من الأقوال للأفعال، هل تعثُّر "مشروع تمديد الغاز"- بوابة إعادة تكرير منظومة الاستبداد- بدايةُ هذا الانتقال؟ هل عندما تتكلّم أمريكا، تخرس الأدوات الصغيرة؟ ربما يأخذ مبدأ never again مفاعيله في القضية السورية أخيراً.


أحدث المواد