النزيف اللبناني في الاقتصاد السوري

النزيف اللبناني في الاقتصاد السوريسوشال ميديا

"نداء بوست" - يوميات مواطن - وجيه حداد - دمشق:

يصعب الحديث عن الأزمة الاقتصادية اللبنانية، بدون الحديث عن  استمرار تداعياتها على الاقتصاد السوري الذي يعيش بدوره حالة انهيار شامل، يسعى  النظام  إلى تغطيته وإنكاره بالحفاظ القسري على سعر صرف مستقر نسبياً في الأسواق السورية،  وهو سعر غالباً ما يشير إليه التجار بالسعر الوهمي أو "السعر الأمني لصرف الدولار".

ورغم الاستقرار الشكلي لسعر الصرف في الأسواق السورية عند عتبة 3500  ليرة، منذ أشهر،  إلا أن أسعار السلع والمواد في سورية ترتفع بشكل يومي وبقفزات كبيرة بما يعني أولاً، انفصال سعر الصرف عن أسعار السلع والخدمات، وما يشير ثانياً وبوضوح إلى شحّ وندرة المواد في الأسواق السورية بما ينعكس سلباً على أسعارها، وهو ما بات التجار يتحدثون عنه همساً وعلانيةً.

وكان حاكم البنك المركزي السوري محمد عصام هزيمة قد عبَّر في الشهر التاسع أمام التجار والصناعيين عن الوضع الاقتصادي السوري  بقوله  إنه لا يحتمل هزات مفاجئة يقوم بها صناعيون وتجار سوريون، في محاولة لضبطهم وإخضاعهم لقراراته،  في ذات الوقت  الذي أعلن فيه خبير اقتصادي سوري أن القوة الاستهلاكية للأُسَر السورية تنخفض بمقدار 10% أسبوعياً.

 ومن غير المعروف ما الذي يقصده حاكم البنك المركزي السوري بالهزات، إذا كانت دراسات وتقارير قد أكدت أن الاحتياجات الاتفاقية لأسرة من خمسة أشخاص عادلت مليون ليرة تقريباً في شهر تموز/ يوليو الماضي، لترتفع أسعار تلك الاحتياجات إلى مليون ونصف في شهر تشرين الأول/ أكتوبر،  أي خلال ثلاثة أشهُر فقط من عام 2021، مع استمرارها التصاعدي السريع.

ومع اتساع الهُوَّة بين مداخيلهم واحتياجاتهم،  ينتظر  السوريون، وبالأخص الموالون منهم، أية إشارة تحمل لهم الفرج  الاقتصادي لانتشالهم من الحالة الكارثية التي يعيشونها، فما إن يتبادل رأس النظام حديثاً هاتفياً مع الرئيس الصيني حتى تتوالى أخبار يضخها الذراع الإعلامي للنظام، تفيد أن الصين  ستعبد الطرقات السورية بالذهب، وأنها ستبني ما تهدم من سورية بوصفها جزءاً من طريق الحرير.

وإن زار وزير الخارجية الإماراتي سورية، أو صرح مسؤول أردني بضرورة تنشيط التجارة عَبْر معبر "نصيب"، أكد الإعلام المخابراتي أن "مشروع مارشال" العربي قادم لنهضة سورية، وأن على السوريين الاستعداد للثراء  المنتظر، وشراء حقائب ضخمة تتسع لملايين الدولارات التي ستهبط عليهم.

وفيما يتولى الإعلام  الموالي الرسمي، وغير الرسمي، بيع تلك الأوهام وبث الآمال الخادعة كنوع من التسويف وشراء الوقت في إطار العجز الراهن، تتولى تلك الأوهام تعزيز نظرية المؤامرة وتحيل عوامل تهالك الاقتصاد السوري إلى عوامل سياسية خارجية منفصلة عن بنية الاقتصاد  المدمر وارتباطه بالمنظومة الحاكمة، في محاولة يائسة منها  لتبرئة النظام، وإخلاء مسؤوليته من تداعيات الانهيار، ورميها على الآخرين.

وبالعودة إلى الاقتصاد اللبناني وتأثيره المباشر على الاقتصاد السوري، فإن اشتداد الأزمات والانهيار المرشح للازدياد في لبنان لارتباطه أيضاً بعوامل سياسية إضافية، لن تتأخر تداعياته في الظهور من جديد وبحِدَّة على الاقتصاد السوري المتآكل  بالكامل، وبشكل أكثر وضوحاً وحِدَّةً،هذه المرة.

في معطيات رقمية عالية الدلالة لكِلا الاقتصاديْنِ فإن المستوردات اللبنانية تراجعت خلال الأزمة الماضية إلى النصف، وكانت المرافئ اللبنانية شكلت خلال السنوات العشر الماضية القناة الخلفية الرئيسية لتمرير البضائع إلى سورية، كما شكلت البنوك ملاذاً آمِناً لأموال المقربين من النظام لتبييض الأموال والتهرب من العقوبات المفروضة على المقربين من النظام وأذرُعه الاقتصادية.

 وفي ظل استمرار مَنْحَى الانهيار الثنائي، بات من شِبه المؤكَّد أن التداعيات المتبادلة على الاقتصاديْنِ في البلدين الجاريْنِ، سورية ولبنان، لن تتوقف في المدى المنظور، وبالأخص التداعيات في الاتجاه السوري، حيث تَحوَّلَ لبنان إلى خاصرة رخوة وهشَّة للاقتصاد السوري، خلافاً لسنوات الحرب التي لعب فيها دور الداعم باعتباره الممر الرئيسي والقناة الخلفية لحركة البضائع والأموال وساحة التهرب من العقوبات.


أحدث المواد