المِثْليَّة وانبثاق العَدَميَّة

المِثْليَّة وانبثاق العَدَميَّة

لا يمكن  أن نعالج أي قضية أخلاقية أو سلوكية شاذة بدون حفر معرفي في عمق جذورها الفلسفية، هذه الجذور التي تعطيها تبريرها المنطقي وتغطيها بمشروعية نفسية تحميها من سهام النقد وحُجَج الهدم التي تنسف بنيانها الهشّ وتكسب صاحبها إبرة من البنج النفسي تجعله متصالحاً مع نفسه خَلِيّاً من عُقدة الذنب والخطيئة وهو يَبوء بفعلها.

وهنا يأتي ممارسة الشذوذ الجنسي والدعوة إلى التطبيع معه بحيث صار معتاداً في بعض البرامج التلفزيونية أن يبادر المشاهير والفنانون إلى قائمة من الأسئلة الفاحصة لدرجة تحضُّرهم وتقبُّلهم للآخر وعدم تعصُّبهم من خلال هذه الأسئلة الشبيهة بأسئلة الفروع الاستخباراتية، ولقد تطورت قضية الشذوذ الجنسي وخضعت لنقلات عديدة في عالم الأخلاق فكانت النقلة الأولى بإزاحتها من عالم الجريمة والجناية إلى تصنيف القُبح المنافي للجمال ثم من القُبح المنافي للجمال على الحق الواجب احترامه من المجتمع ثم من الحق الشخصي إلى التثقيف العامّ والتطبيع النفسي للمجتمع بحيث يتحول إلى ممارسة شبيهة بممارسة السوية الجنسية لا فرق بينهما، وأخطر ما في الأمر هو تعامل بعض المثقفين الليبراليين العرب مع هذه الظاهرة والتعامل مع تخبطات الغرب وأزماته على أنها معايير ثابتة يجب علينا أن نلتزم به كجزء من تعبيرنا عن التحضر والتحاقنا بالعالم الأول.

وبات الاستناد إلى الأبحاث العلمية ودراسة تأثير الهرمونات والوظائف البيولوجية للإنسان هي نوعاً من المخادعة والتخيل العلمي لتبرير هذا السلوك على اعتبار أن الشذوذ هو ميول طبيعية واستجابة حتمية لهرمونات في طبيعة الإنسان تحدد ميوله الجنسي وتفرض عليه نوع العلاقة التي يمكن أن يقيمها.

والحقيقة أن الشذوذ مرده لأسباب نفسية مَحْضة، والمدافعون عنه يقفون منه موقفاً سياسياً لا أخلاقياً علمياً، ومُستنَد التبرير له هو مُستنَد فلسفي غربي محض لا يمت لثقافتنا بصلة، إن هذا الانحدار العميق هو نتيجة طبيعية للمنزلق الحداثي الغربي في تأسيسه للأخلاق على النسبية والبراغماتية النفعية ونسف كل الأطر المقدسة والثوابت اليقينية، فبالرغم من أن سيغموند فرويد أستاذ علم التحليل النفسي الذي أعطى للغريزة الجنسية تأثيراً كبيراً في فهم سلوك الإنسان حذَّر من الإباحية، واعتبر أن الحضارة تتقدم بكبت الشهوة وليس بإطلاقها لكن الحلولية السائلة والإباحية والشذوذية كانت كامنة في أفكار الحداثة نفسها؛ لأنها نسفت المعايير الثابتة للأخلاق وصار المعيار هو العقل الذي لا يؤمن بالمطلقات ولا بالثوابت إلا ثابت واحد أن كل شيء يتغير وهكذا كما يقول المرحوم عبد الوهاب المسيري: "كانت أفكار ما بعد الحداثة السائلة كامنة في جوهر أفكار الحداثة الصلبة فطالما أنه لا معيار والواقع لا اتجاه ولأنه لا ثبات في الكون ولأن الحقيقة منفصلة عن القيمة "ولأن كل الأمور متساوية فلا يمكن بحسب أفكار ما بعد الحداثة التي انبثقت منها فكرة المِثْليَّة والشذوذ كفعل طبيعي غير مجرم أن يقوم أي معيار للأخلاق ولا يمكننا أن نؤسس لأي نظام أخلاقي للمجتمع.

 وهنا يصبح كل إنسان هو معيارَ نفسِه وهو ما يسمونه بحرية الضمير وهنا تسقط قيمة العقل نهائياً ويصبح الفعل أخلاقياً لأنني أشتهيه ولأنني أريده فطالما أنني أشتهيه ولا يؤدي هذا الفعل لخطر أمني ماديّ على الآخرين فهو مسموح وحق واجب الاحترام، وهنا لا تنظر فلسفة ما بعد الحداثة للخطر المعنوي من تفكيك الأسرة وانقطاع النسل وحق الحياة والذوق العامّ فالأسرة هي كذلك منظومة تحتاج للهدم فكانت فكرة المساكنة وشيوع الجنس بديل مناسب عن مؤسسة الأسرة رمز السلطوية الأبوية المستبدة بالمرأة كما يعتقد تيار النسوية الراديكالية وما بعد حداثية، وصارت فكرة اللاإنجابية هي الفكرة البديلة عن الإنجاب الذي ليس له أي معنى إلا تحمُّل العبء والمعاناة وصارت فكرة الانتحار فكرة مُسوَّغة طالما أن إنهاء حقي في الحياة هو من حقي، أما بالنسبة للذوق العامّ ففلسفة مابعد الحداثة تسعى لتغيير الذوق العامّ من خلال تطبيع الشذوذ ليصبح متقبلاً لفكرة المِثليَّة بدلاً من محاربة المِثليَّة نفسها.

إن خطر الشذوذ الجنسي والمِثليَّة الجنسية لا يتوقف على موقف اعتقادي بحرمة الفعل فقط، إنه عدمية تتجاوز إهلاك الحرث والنسل إلى قذف الإنسان في دوامة المجهول والعبثية إلى دوامة اللامعنى للإنسان إلا أنه حيوان يرتقي بالرتبة لا الجوهر تقذفه في دوامة اللامعنى للحياة إلا أنها محض الصدفة العمياء للطبيعة الصماء في حياة لا معنى لها ولا معيار فيها للحقيقة إلا اللهاث وراء شهواتها إلى درجة البطر والتُّخمة ثم الدخول في مرض الكآبة والقلق النفسي حتى تنتهي الحياة بمعاقرة المهدئات أو بالقتل الرحيم الذي ينهي هذه المسرحية الهزلية التي يسمونها الحياة.

لقد صدق علي عزت بيجوفيتش عندما قال: إن سر عداء الفلسفات الغربية للإسلام لا ينطلق من عداء أيديولوجي أو تمييز عنصري إنه عداء للمفهوم الذي يحمله الإسلام عن الإنسان ذلك الإنسان الذي يحمل في جوهره نفخة من الخلود المُتجاوِز لمَاديَّتِهِ الضيقة، المتمرد على أدوات السيطرة والتحكم المادي الساعي لهدم الأصنام في معبد العدمية النِّتْشَاوِيَّة.  

من هنا نعلم أن إشاعة الشذوذ والمِثْليَّة في المجتمعات الغربية والعربية لصالح تهديم الأسرة المحافظة التي باتت تشكّل الحاجز الأخلاقي في وجه الثقافة الاستهلاكية الجارفة للرأسمالية المتوحشة بوسائلها الدعائية التي تلاحقنا في كل مكان في ترويج سلعة المتعة العابرة هو في جوهره ينطلق من أسباب اقتصادية وسياسية.  

 فالأسرة المحافظة هي محضن تربية أطفالها ولا تحتاج لدور الحضانة وهي مركز البرّ لذلك لا تحتاج لدُور عَجَزَة، وهي وحدة اقتصادية قائمة بحدّ ذاتها تنتج 90% من طعامها ولباسها وأثاثها وهي أسرة تعوض الكثير من ممارسة الرفاهية المادية لإسعاد الجسد والشهوة بممارسة الرفاهية المعنوية التي تعتني بإسعاد النفس والروح وتقيد فرط الاستهلاك بأخلاق الاعتدال وعدم التبذير والتكافل الاجتماعي وهي بهذه الطبيعة تشكل العقبة الكَأْدَاء أمام حالة الشهوانية الطاغية التي تُثير الغرائز وتمنع الدولة المتوحِّشة من التحكم بتربية أطفالها. وتربي الإنسان المتمرد على أسوار فلسفته العَدَمِيَّة ساعياً نحو المعنى والحقيقة والمطلق.   

لذلك تسعى القوى التغريبية المتوحشة ودعاة التحديث ومَخانِيث النسوية الرادِيكاليَّة إلى ضرب هذا المعقل المهم وتفكيك أواصره من أجل إعادة صياغة ثقافة الفرد وَفْق منظور القُوَى الرأسمالية المتوحشة المُتقنِّعة بقناع الدولة الإله القاهِر فوق العباد.


أحدث المواد