البارتي بلانر والحفلة الكبيرة

خرجت عند الظهيرة إلى حديقة ذات ظل أخلو بها مع نفسي حيث لا أتوقع وجود أحد في هذا الوقت من النهار، ففي جو صيفي كهذا حيث الحرارة فاقت 25 درجة مئوية، والشمس تتربع كمظلة على الأبنية، كما أن الحديقة تقع في تلة مرتفعة يصعب الوصول إليها بغير عناء، لم أتوقع أن يخرج إلا قاصد وحدة أو عابر سبيل، وما إن وصلت بعد جهد ليس بقليل، حتى أمضيت دقائقي الأولى لأرتب أولوياتي وأضع برنامجي الشهري وأعيد مراجعة بعض المهامّ المعلقة من الشهر السابق.

ما إن دخلت في طور التفكير حتى بدَا جمعٌ كبيرٌ من الناس قادمٌ نحوي، لقد كان هناك نساء فاتنات وشبابُ وسيمون بثياب الحفلات الملونة، وقد تقدمهم شاب وشابة أعتقد أنهما صاحبا الحفل، كان هناك شابان يحملان كرسياً عليه فتاة مُقعَدة، حيث إن طبيعة الأرض لم تكن لتساعد عجلات الكرسي على الحركة بسهولة، كانت بعض الفتيات تتعثرن بكعب أحذيتهن العالية فيبادر الشباب إلى مساعدتهن بلطف لا يخلو من التودد، كما كان في الجمع أطفال صغار بعضهم يُحمَل وبعضهم الآخر يتعثر كما هو حال الآخرين.

للوهلة الأولى خطر في بالي أن الحفل لطائفة دينية أو لفئة تعتقد اعتقاداً ما يتناسب مع ظروف الطقس والارتفاع وتوسُّط الشمس في كبد السماء فلا أحد يتكبّد كل ذلك العناء لإقامة حفل في هذه الظروف إلا إذا كان يحمل معتقداً يُسهِّل عليه ما يقوم به، ثم أزحت هذه الفكرة من رأسي كوني قد أكون متأثراً بأفلام شاهدتها مؤخراً.

لمدة نصف ساعة كان الجمع أمامي يتجهّزون لصورة جماعية أعادوا التقاطها عدة مرات بحركات كان يمليها عليهم شخص يتحكّم بهذه الجموع، كيف يقفون وكيف ينظرون، وبالكاميرا وكيف يقف حاملها، أحياناً كان يصرخ بالجموع وأحياناً أخرى يُضحِكهم، لقد أملى عليهم مختلف التفاصيل لدرجة مقيتة.

في الخلف جلس بعض الأطفال يتناولون الساندويتش بشراهة، ولم يَطُل الوقت حتى أدركت أن كل هذا جزء من مشاهد التصوير التي تحصل قبل حفلة العرس وبأن هذا ليس مسرحهم الوحيد حيث بدَا أنهم خاضوا غمار أماكن أخرى ويتوقعون خوض غيرها.

كان قائدهم الذي عرفت أنه “البارتي بلانر / منظم الحفل” يُملي عليهم كل شيء تقريباً لدرجة رهيبة، وتركتهم لبرهة مفكراً إنْ كان الأمر يستحق كل ذلك العناء، لا أقصد الزواج نفسه، ولكن لحظة التصوير بحدّ ذاتها.

ولكن لِمَ لا؟ فالزواج حدثٌ استثنائي لا يتكرر في العمر إلا مرة في أغلب الأوقات، وربما تستحق المسألة هذا الأمر، كما أن الجميع يوثق لحظاته بطريقة مشابهة، وبنظرة سريعة إلى السوشيال ميديا تستطيع أن تجد الكثير من التوثيقات للطعام والرحلات والأماكن الغريبة، بل والخطيرة، حيث يكاد بعضهم يوثق لحظة دخوله الحمام وخروجه منه وربما أكثر من ذلك، وعلى الأقل في حفلة العرس تلك التي حصلت عُرف فيها العروسان ومنظم للحفل؛ ولكن في حفلتنا الكبرى التي نشاهدها على السوشيال ميديا يصعب علينا اكتشاف “البارتي بلانر” الذي يتحكّم بأوقاتنا ولحظاتنا وكيف نمسك الكاميرا وكيف نبتسم أو نقف أمامها. ربما يكون “البارتي بلانر” هو تلك الثقافة المعولمة التي راحت تجول الكرة الأرضية حاملة معها نمطَ عيشٍ مُعيَّناً يفرض علينا أن نشارك فيه بيانات الموقع والصورة واللحظة التي نعيشها، أو ربما يكون المنظّم هو الاقتصاد الرقمي الذي يجعل من لحظاتنا سلعة تُترجَم على شكل ارتفاعٍ في مستوى الاستخدام والإقبال على وسائل تواصُل معينة دون غيرها لترتفع أسعار أسهمها في سوق البورصة.

غادر الجميع الحديقة، وساد الصمت مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن، ورُحْتُ أفكر في أنه من السهل علينا أن نكتشف أننا بِتْنَا نعيش وسط حفلة كبيرة كلنا فيها عروسٌ وعريس، ولكن من الصعب أن نعرف مَن هو “البارتي بلانر” الذي يفرض علينا نمط سلوكنا الجديد وصورتنا التي نريد أن نعرضها.

البارتي بلانر والحفلة الكبيرة

خرجت عند الظهيرة إلى حديقة ذات ظل أخلو بها مع نفسي حيث لا أتوقع وجود أحد في هذا الوقت من النهار، ففي جو صيفي كهذا حيث الحرارة فاقت 25 درجة مئوية، والشمس تتربع كمظلة على الأبنية، كما أن الحديقة تقع في تلة مرتفعة يصعب الوصول إليها بغير عناء، لم أتوقع أن يخرج إلا قاصد وحدة أو عابر سبيل، وما إن وصلت بعد جهد ليس بقليل، حتى أمضيت دقائقي الأولى لأرتب أولوياتي وأضع برنامجي الشهري وأعيد مراجعة بعض المهامّ المعلقة من الشهر السابق.

ما إن دخلت في طور التفكير حتى بدَا جمعٌ كبيرٌ من الناس قادمٌ نحوي، لقد كان هناك نساء فاتنات وشبابُ وسيمون بثياب الحفلات الملونة، وقد تقدمهم شاب وشابة أعتقد أنهما صاحبا الحفل، كان هناك شابان يحملان كرسياً عليه فتاة مُقعَدة، حيث إن طبيعة الأرض لم تكن لتساعد عجلات الكرسي على الحركة بسهولة، كانت بعض الفتيات تتعثرن بكعب أحذيتهن العالية فيبادر الشباب إلى مساعدتهن بلطف لا يخلو من التودد، كما كان في الجمع أطفال صغار بعضهم يُحمَل وبعضهم الآخر يتعثر كما هو حال الآخرين.

للوهلة الأولى خطر في بالي أن الحفل لطائفة دينية أو لفئة تعتقد اعتقاداً ما يتناسب مع ظروف الطقس والارتفاع وتوسُّط الشمس في كبد السماء فلا أحد يتكبّد كل ذلك العناء لإقامة حفل في هذه الظروف إلا إذا كان يحمل معتقداً يُسهِّل عليه ما يقوم به، ثم أزحت هذه الفكرة من رأسي كوني قد أكون متأثراً بأفلام شاهدتها مؤخراً.

لمدة نصف ساعة كان الجمع أمامي يتجهّزون لصورة جماعية أعادوا التقاطها عدة مرات بحركات كان يمليها عليهم شخص يتحكّم بهذه الجموع، كيف يقفون وكيف ينظرون، وبالكاميرا وكيف يقف حاملها، أحياناً كان يصرخ بالجموع وأحياناً أخرى يُضحِكهم، لقد أملى عليهم مختلف التفاصيل لدرجة مقيتة.

في الخلف جلس بعض الأطفال يتناولون الساندويتش بشراهة، ولم يَطُل الوقت حتى أدركت أن كل هذا جزء من مشاهد التصوير التي تحصل قبل حفلة العرس وبأن هذا ليس مسرحهم الوحيد حيث بدَا أنهم خاضوا غمار أماكن أخرى ويتوقعون خوض غيرها.

كان قائدهم الذي عرفت أنه “البارتي بلانر / منظم الحفل” يُملي عليهم كل شيء تقريباً لدرجة رهيبة، وتركتهم لبرهة مفكراً إنْ كان الأمر يستحق كل ذلك العناء، لا أقصد الزواج نفسه، ولكن لحظة التصوير بحدّ ذاتها.

ولكن لِمَ لا؟ فالزواج حدثٌ استثنائي لا يتكرر في العمر إلا مرة في أغلب الأوقات، وربما تستحق المسألة هذا الأمر، كما أن الجميع يوثق لحظاته بطريقة مشابهة، وبنظرة سريعة إلى السوشيال ميديا تستطيع أن تجد الكثير من التوثيقات للطعام والرحلات والأماكن الغريبة، بل والخطيرة، حيث يكاد بعضهم يوثق لحظة دخوله الحمام وخروجه منه وربما أكثر من ذلك، وعلى الأقل في حفلة العرس تلك التي حصلت عُرف فيها العروسان ومنظم للحفل؛ ولكن في حفلتنا الكبرى التي نشاهدها على السوشيال ميديا يصعب علينا اكتشاف “البارتي بلانر” الذي يتحكّم بأوقاتنا ولحظاتنا وكيف نمسك الكاميرا وكيف نبتسم أو نقف أمامها. ربما يكون “البارتي بلانر” هو تلك الثقافة المعولمة التي راحت تجول الكرة الأرضية حاملة معها نمطَ عيشٍ مُعيَّناً يفرض علينا أن نشارك فيه بيانات الموقع والصورة واللحظة التي نعيشها، أو ربما يكون المنظّم هو الاقتصاد الرقمي الذي يجعل من لحظاتنا سلعة تُترجَم على شكل ارتفاعٍ في مستوى الاستخدام والإقبال على وسائل تواصُل معينة دون غيرها لترتفع أسعار أسهمها في سوق البورصة.

غادر الجميع الحديقة، وساد الصمت مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن، ورُحْتُ أفكر في أنه من السهل علينا أن نكتشف أننا بِتْنَا نعيش وسط حفلة كبيرة كلنا فيها عروسٌ وعريس، ولكن من الصعب أن نعرف مَن هو “البارتي بلانر” الذي يفرض علينا نمط سلوكنا الجديد وصورتنا التي نريد أن نعرضها.

من الممكن أن يعجبك

حزب الله يستولي على مزيد من أملاك المدنيين في الزبداني

حزب الله يستولي على مزيد من أملاك المدنيين في الزبداني

نداء بوست-مروان أبو مظهر-ريف دمشق واصلت ميليشيا حزب الله اللبناني فرض سيطرتها على مزيد من أملاك المدنيين في مدينة الزبداني ...

فيلم “دير داونتون: عصر جديد”.. تجليات الكلاسيكيية الإنجليزية

فيلم “دير داونتون: عصر جديد”.. تجليات الكلاسيكيية الإنجليزية

نداء بوست- سينما وتلفزيون-محمد جميل خضر بنفسٍ كلاسيكيٍّ فاخر، يتحرك الفيلم الإنكليزيّ الروائي الطويل Downton Abbey: A New Era "دير ...

منتخب التايكواندو الأردني يحقق ست ميداليات في بطولة آسيا

منتخب التايكواندو الأردني يحقق ست ميداليات في بطولة آسيا

نداء بوست- محمد جميل خضر- عمّان حصد المنتخب الوطني الأردني للتايكواندو أمس الإثنين، ست ميداليات ملوّنة، من ضمنها ميدالية ذهبية ...

مقتدى الصدر يشن هجوماً غير مسبوق على الرئيس العراقي برهم صالح… ما السبب؟

مقتدى الصدر يشن هجوماً غير مسبوق على الرئيس العراقي برهم صالح… ما السبب؟

نداء بوست- عواد علي- بغداد شن مقتدى الصدر هجوماً غير مسبوق على الرئيس العراقي برهم صالح، اليوم الثلاثاء، متهماً إياه ...

تسارع الأحداث في الأردن يوحي بترابطها

تسارع الأحداث في الأردن يوحي بترابطها

نداء بوست- محمد جميل خضر- عمّان تسارعت وتتسارع الأحداث على الساحة الأردنية، بما قد يغري أصحاب (نظرية المؤامرة) بقراءة، أو ...

خالد تركاوي

خالد تركاوي

باحث رئيسي في مركز جسور للدراسات

نداء بوست

موقع نداء بوست منصّة إخبارية سياسية ثقافية اجتماعية اقتصادية منوّعة