إلى أيْنَ تريد روسيا الوصول في ملفّ إدلب؟!

إلى أيْنَ تريد روسيا الوصول في ملفّ إدلب؟! مركز مدينة إدلب - نداء بوست

يُظهر التصعيد غير المسبوق الذي تشهده إدلب أنّ روسيا على استعداد للتخلي عن التهدئة التي مضى عليها قُرابة 16 شهراً لأوّل مرّة منذ بدء النزاع في سورية، لكن لا يبدو أنّها تُفكّر بهذه الطريقة، مع أنّ اتفاق وقف إطلاق النار لم يُساهم في منحها أيّة مكاسب فعلية منذ توقيعه.

صحيح أنّ تركيا اضطرت للانسحاب من 12 نقطة مراقبة كانت قد أسّستها بموجب مذكّرة سوتشي (2018)، لكنّها سُرْعان ما أعادت انتشار قوّاتها ضِمن أكثر من 60 نقطة خلال فترة التهدئة وشكّلت خطوط صدّ تجعل من الصعب على قوّات النظام السوري شنّ عملية عسكرية بدون تجاوُزها.

من الواضح، أنّ روسيا كانت تُعوّل على إيجاد آلية عمل مشتركة مع تركيا من أجل فتح المجال أمام حركة التجارة والنقل على الطريق الدولي M4، إلّا أنّ ارتفاع مستوى التهديد الأمني ضد الدوريات المشتركة حال دون استكمالها بعد أن بلغت 25 مرة، حيث تم تجميدها منذ حوالَيْ 10 أشهر.

كذلك، لم تستطع روسيا تحسين سُبل التعاون مع تركيا في مجال مكافحة الإرهاب في إدلب، حيث بقي التنسيق بين الطرفين مقتصراً على التزام أنقرة بالحد من الأنشطة التي قد تقوم بها التنظيمات المصنّفة على القوائم السوداء ضد مصالح موسكو في سورية. بينما يبدو مزعجاً لها وجود تنسيق مشترك بين الولايات المتحدة وتركيا في هذا الملف.

نظريّاً، تريد روسيا الضغط على تركيا بما يقود لتوقيع بروتوكول إضافي لاتفاق أضنة (1998) مع النظام السوري يؤدي إلى تراجُعها نحو عمق يتراوح بين 10 و15 كم على طول الشريط الحدود، مع استعادة النظام السوري للمعابر الحدودية ووضع جدول زمني للانسحاب، إضافة إلى التعاون في ملف مكافحة الإرهاب على أن يقود إلى تفكيك "هيئة تحرير الشام" ومعظم الفصائل.

لكن، عمليّاً يبدو عسيراً على روسيا الوصول إلى هذا النموذج من التسوية عسكرياً أو دبلوماسياً، لأنّ أيّة عملية قتالية لن تؤدي بالضرورة إلى تحقيق النتائج المطلوبة مُقارَنة مع الحملات السابقة التي كانت تحمل ظروفاً مختلفة ميدانياً وسياسياً وتقنياً.

هذا لا يعني أنّ روسيا ستتخلى عن المناورة العسكرية أو تحقيق أي اختراق ميداني في إطار سياسة الضغط القصوى في إدلب بما يؤدي، على أقل تقدير، إلى إضعاف القدرة الدفاعية لدى فصائل المعارضة وتركيا ورفع التكلفة عليهما؛ عدا عن الاستمرار في تنفيذ عمليات السطع الناري لجمع المعلومات اللازمة لأي تحرّك في المنطقة.

إذاً، بعد أن بات عمليات توسيع السيطرة العسكرية صعبة جداً حتى في ظل وجود مسوّغ قانوني وهو مكافحة الإرهاب، لجأت روسيا إلى استخدام أدوات أخرى من قبيل إضعاف قدرة المعارضة السورية ليس على المستوى الدفاعي فحسب بل على المستوى الإنساني، ومحاولة تقليص الصلاحيات التي حازتها منذ عام 2014 وإعادة هذا الامتياز إلى النظام السوري بما يُعزّز من القدرة السيادية لديه ويجعل الأمن الغذائي والصحي في مناطق المعارضة مرتبطاً به أو ضعيفاً من ناحية الاستجابة.

هذا ما يُفسّر التركيز من قِبل روسيا على تقويض آلية المساعدات الإنسانية عَبْر الحدود منذ عام 2020، عندما أنهت التفويض الممنوح للقرار 2165 (2014) وللقرار 2504 (2020)، ومن ثَم التهديد باستخدام حق النقض "الفيتو" خلال جلسة مجلس الأمن في 10 تموز/ يوليو 2021 لعدم التمديد للقرار 2533 (2020)، والذي يعني إغلاق آخِر المعابر التي تدخل منها المساعدات عَبْر الحدود إلى سورية والعودة للعمل عَبْر الآلية المركزية من دمشق.

بذلك، يُصبح وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق المعارضة والإدارة الذاتية الكردية مرتبطاً بما يُقدّمه النظام السوري عَبْر معابر داخلية سبق أن دعت روسيا إلى افتتاحها بعد التواصل مع تركيا في آذار/ مارس 2021، لكن قُوبل المقترح بإغفال أو عدم استجابة.

وطالما أنّ هناك صعوبة في حسم ملف إدلب عسكريّاً فإنّ روسيا لن تُخاطر لدرجة أن يؤثر أي تصعيد على التعاون مع تركيا شرق الفرات الذي ما تزال تطمح لتحقيق تقدُّم واختراق فيه يضمن وصولاً وانتشاراً أوسع لقوّات النظام السوري على حساب قوّات سورية الديمقراطية والمعارضة السورية.

عموماً، لا تزال روسيا تأمل بتقويض سيطرة المعارضة السورية في إدلب وكذلك نفوذ تركيا فيها، لكن ارتفاع مستوى المخاطر مقارنة مع الظروف التي استفادت منها خلال السنوات السابقة يحول دون اللجوء إلى أيّة عملية عسكرية واسعة أو شاملة، ويدفعها للاعتماد على أدوات أخرى تُساهم في إضعاف المعارضة أو قدرتها على الصمود.