محمد السكري

محمد السكري1 مقال

مساعد باحث في مركز جسور للدراسات

أزمة الديمُقراطية فِي المُعارضَة السورية

أزمة الديمُقراطية فِي المُعارضَة السورية الإئتلاف الوطني السوري(انترنت)

يغيب عن مؤسسات المعارضة السورية امتثال الديمقراطية التي تنادي بها هذه المؤسسات، حيث الديمقراطية هي وسيلة أو أداة يعبر الشعب من خلالها عن سيادته لنفسه، وهذا لا يمكن التوصل له إلّا عبر مساهمته في اقتراع مؤسسات منتخبة، وبتعريف الديمقراطية فهي تمثيل الشعب لنفسه عَبْر نظم أو مؤسسات منتخبة، أي هو التداول السلمي للسلطة ضِمن الأطر التشريعية والقانونية بما يضمن المشاركة العادلة ويكفل التمثيل الواسع لكل فئات المجتمع.
تقدِّم معظم مؤسسات المعارضة السورية نفسها على أنّها ديمقراطية وبديلة عن تلك التابعة للنظام، حيث تعتبر نفسها الممثل الشرعي للشعب السوري، بالرغم من عدم وجود أيّ شكل من التداول الديمقراطي عَبْر الاقتراع/ الانتخاب، ويقتصر الأمر على الانتخاب الداخلي الذي يغلب عليه الطابع الشكلي، الأمر الذي يلاقي استياءً وانتقاداً واسعاً من قِبل الرأي العامّ، الذي نادى إبان اندلاع الثورة السورية عام 2011 بالحرية والعدالة، وكذلك بالديمقراطية.
لم تستثمر المعارضة السورية السياسية التجربة التي قدمتها المجالس المحلية خلال الثورة؛ كتلك الانتخابات التي أجرتها مدن "الأتارب" و"سراقب" و"داريا" ومدن "الغوطة الشرقية" و"درعا" للمجالس المحلية، والتي أعطت انطباعاً عن نضج وقدرة المجتمعات الأهلية على الانتقال السريع من الحاجة لهياكل تُقدِّم الخدمات إلى تطوير آليات عملها بناءً على مفاهيم الشفافية والديمقراطية والحوكمة، وقد كانت هذه التجارِب رائدة، وتعكس رغبةً شعبيةً في ممارسة الديمقراطية؛ إلا أنَّ مؤسسات المعارضة لم تكن كذلك مع الأسف.
الإشكال الأكبر في مؤسسات المعارضة السورية ليس الانفراد بالحكم واحتكار القرار وتكرار الشخصيات، وإنما في الادعاء بأنّها النموذج البديل، فإنّ السعي لتطبيق الديمقراطية في مؤسسات نشأت من رحم الاستبداد يحتاج إلى تقنين وتنظيم الممارسات السياسية، وتبديل السلوك، وتغيير الرغبات، وتوسيع التمثيل، وتأهيل الكوادر، واستقطاب الشباب، بما يحقق المشاركة "الفعالة-التفاعلية"، ويخلق بيئة يسودها التدافع الإيجابي الذي يؤدي بالضرورة لتطوير المؤسسة ورفع رصيدها المجتمعي، وبغير ذلك لا يمكن أن تُصدّر أيّة مؤسسة نفسها على أنّها ديمقراطية، فالديمقراطية قبل أن تكون شعاراً هي ممارسة، وفي غياب الممارسة لا يوجد ديمقراطية.
وكنموذج عن أبرز مؤسسات المعارضة فإنَّ الائتلاف الوطني السوري ما زال يواجه تحدِّيات كبيرة على مستوى التمثيل السياسي لمكونات الشعب السوري، متعددة الانتماءات والهويات العرقية والدينية؛ فلم يستطع منذ إنشائه في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، 2012 وحتى اليوم تحقيق أيّ تقدم في هذا الملف، ولا سيما على مستوى التمثيل الحقيقي للنساء والشباب، الأمر الذي خلق حالة من فقدان الثقة وعدم التوازن بينه وبين الشارع السوري؛ كون المشاركة تعتبر مؤشراً مهماً يتم القياس على أساسه مدى فعالية مفهوم الديمقراطية الذي يقوم في هذا الجانب على التعددية، والاختلاف العمري والفئوي والأيديولوجي، ويُمكن الاستدلال بحجم التمثيل النسائي والشبابي داخل الائتلاف، إذ لا يتجاوز تمثيل النساء 9%، بينما يقدر حجم التمثيل الشبابي 0% وَفْق معايير الأمم المتحدة التي حددت الفئة العمرية الشبابية بين 15-24 عاماً.
وتكمن المشكلة في أنَّ هيكلية الائتلاف الوطني ما زالت تشكَّل من القوى نفسها التي تشكل بنيته الأساسية؛ مع إجراء بعض التعديلات بين فترة وأخرى، ووجود شخصيات معينة تسيطر على آليات صنع القرار، سواء على مستوى التمثيل وتوسيعه أو حتى على مستوى الإصلاحات.
كما أنه من الموضوعي الحديث عن التأثيرات الخارجية الإقليمية والدولية على الأفراد والتيارات التي تشكل هذه المؤسسات، وهذا أمر متوقع في مثل الحالة السورية، لكن تحتاج مؤسسات المعارضة إلى الحد من هذا التأثير الدولي بما لا يقيد عملها، وبناء شراكات على أساس المصالح التي تحقق الغاية الوطنية شِبه الغائبة عن أبجديات العمل السياسي في هذه المؤسسات، ومن هنا يمكن القول: إنّ الاعتماد على آليات التوافق بما يخدم المصلحة الوطنية كصيغة عمل يفيد في تصحيح المسار ويثمر نتائج إيجابية.
وبذلك يتحتَّم على المعارضة أن تكون أكثر شفافية مع الحاضنة الشعبية، عَبْر توضيح آليات عملها وأهدافها في هذه المرحلة، دون أن تطلق على نفسها صفة "الديمقراطية" فقط لكي تثبت تمايُزها عن النظام السوري، ولا بدّ أن تعتمد التوافُق كآلية لتبادُل السلطة شريطة ألّا يتم ترسيخه كنموذج محاصصة يقوم على الطائفية أو المناطقية ويكون بديلاً عن الممارسة الديمقراطية التي ينشدها الشعب السوري منذ بداية ثورته المستمرة.

محمد السكري

محمد السكري1 مقال

مساعد باحث في مركز جسور للدراسات